الحضارة الهشة


كتب د.محمد ابو بردة:

الحضارة الهشة
كيف عرفنا أخبار الأمم السابقة من اغريق ويونان ومصريين قدماء وغيرهم؟ من اثارهم التي صمدت علي مدي السنين من معابد وقصور ونقوش وتماثيل هل تساءلت يوما كيف سيتذكرنا اللاحقون؟ماذا سيعتقدون فينا؟هل سيعلمون بوجودنا أصلا ؟هل سيفتخرون بنا كما نفتخر نحن بأسلافنا؟ لقد تم اختزال الأسواق الكبيرة في مخزن وتطبيق تسوق علي الهواتف المحمولة والقليل من عاملي التوصيل. واختصرت المكتبات في صورة أقراص مدمجة وبطاقات ذاكرة ومساحات علي ذاكرة الحواسيب.حتي الصور الفوتوغرافية لم تعد موجودة بشكلها القديم. تحولت الي صور رقمية غير ملموسة علي الشاشات. لم نعد نهتم بالحفظ لان الوصول للمعلومه اصبح سهلا. المهم الأن هو كيفيه التعامل مع المعلومة وتوظيفها التوظيف الأمثل. كيف هو الحال إذا قام قرصان ماهر من قراصنة العصر الحديث بتصميم فيروس رقمي فتاك قادر علي اختراق الحواسيب والهواتف المحمولة ومحو كل ما عليها من بيانات؟؟ساعتها ستنتهي حضارتنا بكل بساطة وستشطب علومنا من تاريخ الإنسانية ولن يتبقي إلا حواسيب وهواتف فارغة قد يعتقد اللاحقون انها مجرد أوثان عبدناها لأننا مكثنا أمامها أوقاتا طوال. المكتبات المتخمة بالكتب المكدسة فوق بعضها-رغم عناء البحث فيها-إلا أن كل كتاب فيها هو وثيقة في حد ذاته. المعلومة المكتوبة كنز. هي الدليل علي وجود الفكر والمفكرين. التدوين الرقمي كارثي إذا اعتمدنا عليه بصورة كلية. فالمعلومة الرقمية رهينة التيار الكهربي الذي يمد الحواسيب بالطاقة كما أنها أيضا رهينة برامج الحماية التي تحمي الحواسيب من الاختراق.الحضارة الرقمية بوجه عام مخيفة. فيروس رقمي واحد قادر علي انهيار البورصات العالمية, تعطيل المواصلات, خلق فوضي في خطوط الملاحة العالمية, كساد البنوك وحتي إطلاق صواريخ وإشعال الحروب.
ومع امتلاك العديد منا للهواتف والحواسيب أصبحنا جميعآ قادرين علي المشاركة في صنع الثقافة والحضارة. أما عن الوجه القبيح لهذه المشاركة فهو الكم الجارف من المعلومات المغلوطة والناقصة والمبتورة التي يتم تداولها علي شبكات التواصل. وبما إن ما تكرر تقرر فانه في كثير من الأحيان أصبح من الصعب علي العقلاء وأصحاب الرأي السديد نفي الشائعات والمعلومات المغلوطة.وأنا التمس العذر لكل أبناء هذا العصر. فالإغراء بإضافة ومشاركة المعلومات شديد. الأخطر من ذلك هو أن الإنسان نفسه أصبح مجرد رقم. فتعاملاتك البنكية من تحويل ودفع ما هي إلا تعاملات رقمية علي قاعدة بيانات بنكية. هويتك وما يتعلق بها من معلومات أسريه واجتماعيه وماديه ما هي إلا بيانات رقمية علي قاعدة بيانات الوطن الذي تعيش فيه. اي انه من يملك الولوج لقواعد البيانات تلك يملك الولوج الي حياتك بأدق تفاصيلها. استعباد الإنسان قديما كان يستلزم السيطرة المادية أو الدينية أو العسكرية. أما الأن فإنسان العصر الحديث مطلوب فقط معرفة الكود الخاص بة للتحكم به أو لمحوه تماما من الحياة وهو لم يفارقها فعليا. هذا ليس محض خيال فبعض الدول الأن ألغت التعامل الورقي بين أفرادها وأصبح التعامل فيها رقميا فقط أنا لست ضد التطور فانا من مستخدمي التكنولوجيا الحديثة بصفة يومية.حتي أن هذا المقال -علي الرغم من توافر مسودته الورقية-فأنت تقرأه بوسائل تكنولوچية رقمية.بل إني موقن أن التغير ضرورة وتعلم التقنيات الجديدة واجب. أنا فقط أخشي من هشاشة الأرض الجديدة التي نقف عليها جميعآ
. د.محمد ابو بردة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *