قَدَري هو الخير (قصة قصيرة)

قصة قصيرة بقلم:
محمد بن يوسف كرزون

أبي وأمّي يتغامزان، تتبعه أمّي، لا أكادُ أسمعُ ما يقولان، ولكن أعلمُ أنّ نتيجة تحليل الخزعة سيظهر اليوم، وسيكون بين يدي الأسرة كلّها.. يطولُ حديثهما، وأنا مسمّرة في مكاني لا أكادُ أبرحه، لا أريدُ أن أزعجهما وأسترقّ السمع لحديثهما.
هما يظنّان أنّ الخبرَ في التحليل، ولا يعلمان أنّني أعلم مرضي حقَّ العلم، وأنّني أتقبّله بنفسٍ رضيّة، فهو قَدَري، وَمَنْ يهربُ من قَدَرِهِ؟ مَنْ يستطيعُ أن يهربَ من القَدَر؟
تعودُ أمّي، وآثار الدمعة الممسوحة واضحة على وجهها، أضمُّها، نعم.. أنا مَنْ يضمّها:
– ماما! لا تهتمّي… كلّ ما يأتي من عند الله خير.
تجهشُ في البكاء، وأحاولُ أن أغالبَ دمعي، كي لا يؤلمها، فأنا أتألّم لألمها عليَّ.
– ماما، أرجوكِ ادعي أبي ليخبرنا جميعاً عن النتيجة، فأنا أتقبّلها مهما كانت، أليستْ قَدَري؟
يدخلُ أبي من جديد، لأوّل مرّة في عمري أرى أبي في هذه الهيئة من الحزن، والبكاء… أقبّله:
– أرجوكَ يا بابا لا تحزن، إنّه قَدَري.. وأنا راضية به.
يحضنني، تسيل دموعه على شعر رأسي عندما يغمرني بين ذراعيه، ونجهشُ بالبكاء جميعاً…
– أنا أعرف النتيجة قبلكم جميعاً، وأنا حزينة على حزنكم عليّ.. أمّا مرضي، فهو قَدَري من الله، وأنا أتقبّله منه سبحانه.
ورغم كلّ كلامي لم يجدوا الجرأةَ على مصارحتي بنتيجة التحليل.. التفاصيل سأعرفها في وقتٍ قريب، فأنا في السادسةَ عشرةَ من عمري، وأقتربُ من الثانويّة العامّة، بعدَ ثمانية أشهر سأبدأُ دراسة الثانويّة العامّة… أضحكُ… أضحكُ من كلّ قلبي… وأقول في نفسي لنفسي:
– هل أنتِ متأكّدة أنَّكِ ستعيشين ثمانيةَ أشهرٍ أخرى؟
ويأتيني الجواب من صدى نفسي:
– تلكَ مشيئةُ الله… لا أحدَ يعلمُ ماذا سيحدثُ غداً.
* * *
في جوفِ الليل، أخرجُ للحمّام، أسمعُ حديثاً هامساً بينَ أمّي وبينَ أبي، لا أكادُ أفهمُ منه شيئاً سوى الزفرات والتنفّسُ بصعوبة في بعضِ الحالات… أقضي حاجتي، ثمّ أتوضّأُ، وأعودُ إلى غرفتي، أصلّي ركعتين لله تعالى، وأفتحُ كتابَ الله العظيم، وأقرأُ منه، ثمّ أعودُ إلى النّوم.
أستيقظُ بعدَ أقلّ من ساعتين، أنزعجُ من يقظتي التي تحرمني من الاستمتاع بنومٍ هنيء، أصارحُ نفسي من جديد:
– هذا الحزن الذي يلفحُ الأسرةَ كلّها يحتّمُ عليكِ واجباً، عليكِ أنتِ يا منيرة أن تجدي الحلّ.. أنتِ تسيرين إلى قَدَرِكِ وقضاء الله فيكِ، وكلّ ما يأتيكِ من الله خير، ولكنَّ حزنهم يجعلُ الأسرةَ تعيشُ على الآلامِ من الحَدَث القادم… أخوكِ الذي يصغركِ بسنتين، والذي ترتبطين به أجملَ رباطٍ أخويّ مظهرهُ يُبكي الأفئدةَ… هو يفكّرُ كيف سيستطيعُ أن يعيش بدونِكِ… وأنتِ عليكِ أن تتصرّفي… وأختي الصغيرة التي لم يصل عمرها إلى العاشرة بعدُ، تنظرُ إليّ ولا تعرفُ ماذا تقول، سوى أن تسألني: (هل تحبّينني يا منيرة؟)… فأحضنها وأقول: أنتِ أنا يا روحي.
وأجيبُ في سرّي لنفسي:
– غداً سأصنعُ الحلوى.. أعرفهم جميعاً يحبّون الحلوى من صنعِ يدي… وأنا واثقة من أنّ أمّي لن تمانع هذه المرّة أن آخذَ حرّيتي التامّة في أن أصنعَ ما أريد… سأصنعُ عدّةَ أنواعٍ من الحلوى.. وسأحاولُ أن أظهر كأنّني فراشة في الحقول.. أجل.. فلتكن ذكرايَ في نفوسهم كأجمل فراشة.
الأيّامُ تتسارعُ، والاستسلام يتعاظم عند العائلة كلّها، هم يستعدونَ للخبر، الذي لم يعدْ مفاجأة، وأنا أتألّمُ لوضعهم، أشفقُ على أحوالهم، ويزدادُ حزني عندما أراهم جميعاً قد ضعفتْ شهيّتهم للطعام، وأخي وأختي قد ابتعدا عن الدراسة، وصار الشّرود ظاهرةً متتابعة عند كلٍّ منهما.
أبي لا يكادُ يغيبُ عن البيت، فهو يعودُ من عمله إلينا مباشرةً، ويجلس طوال ما تبقّى من اليوم إلى جانبي، ويسألني عن طلباتي، فأجيبه:
– ما دمتَ إلى جانبي فليسَ لي أيّ طلب من الدنيا يا أبي..
أنظّمُ فكري، وأحاولُ أن أنظّمَ وقتي ما استطعتُ:
– عليَّ أن أتوجّهَ بدعائي إلى الله… فهو – سبحانه – الذي خلقني، وهو الذي يعينني على ما أصابني وأصابَ الأسرةَ ما أصابها بمرضي..
في صدر الليل، تستيقظُ أختي ضحى، وتعطيني ثلاثَ قطع من السكّر، وتقول لي:
– هذه القطعُ – يا منيرة – هي عندي منذُ ثلاثةِ أيّام.. وقد قرأتُ على كلّ قطعةٍ ما تيسّر لي من القرآن… ودعوتُ الله أن يشفيكِ ويشفي كلَّ مريض… وقلتُ لربيّ: (يا خالقي لا تحرمني من أختي… أرجوكَ أرجوكَ… وإن قدَّرْتَ ما قدَّرْتَ عليها فخذني معها في ساعةٍ واحدة… أنا لا أطيقُ ابتعادَها عنّي)… خذي في كلّ يومٍ قطعة، ولكن لا تقولي لأحدٍ عن سرّ هذه القطع، اتركيها سرّاً بيني وبينَكِ…
ضحكتُ، ضحكتُ ملءَ قلبي… وتناولتُ القطعَ منها، وقلتُ لها:
– على شرط صغير، هل تقبلين؟
– نعم، أقبل..
– نقسمَ كلّ قطعةٍ قسمين، فأتناول أنا قسماً وأنتِ القسم الآخر..
– موافقة… موافقة…
وحضنتني، والضحكةُ تملأ وجهها الصّبوح.
وقد دأبتُ في هذه الأيّام على أن أخلصَ الدّعاءَ لله، وأن أتفاءل، بل أن يزداد تفاؤلي، فلا حلَّ في هذه الأسرة إلاّ بالتفاؤل، بل بأن يغمرنا التفاؤل ولا شيءَ غيره..
مضى أكثر من مئةِ يوم، وأنا مواظبة على الدّعاء والصلوات والصبر… وحانَ موعدُ زيارةٍ جديدة للمستشفى، من أجلِ اختبار آخر…
هذه المرّة لم يخفِ أبي النتيجة، ولا سيّما بعدَ أن علمَ الجميع أنني أعرفُ كلّ شيء عن مرضي… قالَ أبي:
– الطبيب اليوم استغربَ من النتيجة، وطلب إعادة التحليل مرّةً أخرى في الغد… ما رأيكم؟
ابتسمتُ، وقلتُ:
– وهل لنا رأي سوى أن نوافقه ونعيد؟
ثمّ استدركتُ:
– لماذا استغربَ الطبيبُ من النتيجة؟
– لأنّه قارنها بالتحليل السابق منذ أكثر من مئة يوم… فرآها مختلفة تماماً وليستْ تطوّراً طبيعياً للمرض.
– يا أبي لا تتعب نفسَكَ… هو قَدَري وأنا أتقبّله بنفسٍ مطمئنّةٍ رضيّة…
– على كلّ حال ستذهبين معي إلى المستشفى من جديد.
وكان التحليل الثالث، يختلف عن التحليل الثاني رغم أنّ بينهما أيّاماً قليلة… مما جعل الأطبّاءَ يستغربون… فقلتُ لأبي:
– والرابع سيختلف، وكذلك الخامس والعاشر… لأنّ مشيئةَ الله هي التي تجري، لا توقّعات الأطبّاء.
قدّمتُ امتحانَ الثانويّة، وبتُّ أنتظر النتائج، وتغيّرت الأحوال النفسيّة للأسرة، فقد مرّ على التحليل الأول ما يقربُ من عشرينَ شهراً، وبقيَ عليَّ أن أجريَ التحليل الأخير…
قلتُ لكلّ أفراد الأسرة، وبصوتٍ عالٍ، ونفسٍ واثقة:
– لن أجريَ أيّ تحليل إلاّ بعد نتائج الثانويّة العامّة…
أجابَ أبي:
– كما ترغبين يا ابنتي… توكّلنا على الله.
* * *
ظهرت النتيجتان معاً، وكلتاهما كانتا مفرحتين كلّ الفرح للأسرةِ كلّها، لم يعد في جسدي مرضٌ خبيث… ولم يعد في نفسي أيَّ فكرة غير فكرة أنّ كلّ شيءٍ بيد الله العظيم.
وسارعتُ إلى قراري في القابل من أيّام حياتي… سأصبح عضواً أساسياً في جمعية مكافحة الأمراض الخبيثة وإعانة المصابين على العلاج والصبر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *