اليأس مقبرة الإنسان ( عامية مصرية )

معظم الناس عارفين ومبهورين بقصيدة (لا تصالح) لأمل دنقل، التحريض على الثأر على لسان كليب المقتول لأخوه عشان ياخد تاره، القصيدة عبقرية ويمكن شهرتها كمان عشان استشراف أمل دنقل للمستقبل قبل اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل. شوف العبقرية مثلا:
لا تصالح على الدم.. حتى بدم
لا تصالح ولو قيل رأس برأس
أكل الرؤوس سواء؟
أقلب الغريب كقلب أخيك؟
أعيناه عينا أخيك؟
وهل تتساوى يد سيفها كان لك
بيد سيفها أثكلك؟
بس القصيدة اللى محدش كتير خد باله منها رغم انها عبقرية برضه وعند بعض النقاد أكثر عبقرية من (لا تصالح) كمان هى القصيدة اللى بعدها فى الديوان “أقوال اليمامة”.
فى (أقوال اليمامة) هتلاقى ان الراجل نفذ الوصية وحارب، حرب البسوس اشتغلت، ومات فيها آلاف والبلاد اتخربت، والخساير بلا نهاية، لحد ما زهقوا وراحوا عشان ياخدوا إذن (اليمامة) اللى هيه بنت كليب القتيل إنهم ينهوا الحرب اللى خلصت على البلد.
بعكس (لا تصالح) مش هتلاقى صوت عالى فى القصيدة، ولا حد بيزعق.. هتلاقى اليمامة بترد بكل هدوء.. ليه؟ لأنها خلاص وصلت لمرحلة (تتخرب الدنيا باللى فيها)، اليأس والصدمة والحقد وفقدان العزيز ثبتها أكتر، وخلاها أهدا، عشان كده لما راحوا لها سابتهم يترجوها ويوعدوها بتحقيق طلباتها، وبعدين ردت فى بداية القصيدة بكل بساطة كده:
أبى لا مزيد
أريد أبى .. عند بوابة القصر
فوق حصان الحقيقة
منتصبا من جديد
(من الآخر هاتولى ابويا وأنا افض الحرب دى، ورغم استحالة الطلب بس هيه بررته)
ولا أطلب المستحيل ، ولكنه العدل:
هل يرث الأرض إلا بنوها؟
وهل تتناسى البساتين من سكنوها؟
وهل تتنكر أغصانها للجذور
لأن الجذور تهاجر فى الاتجاه المعاكس؟
(وهتلاقيها كمان فى جزء تانى بتشرح موقفها وسر تعصبها)
أقول لكم : لا نهاية للدم
هل فى المدينة يضرب بالبوق ، ثم يظل الجنود
على سرر النوم؟
هل يرفع الفخ من ساحة الحقل كى تطمئن العصافير؟
إن الحمام المطوق ليس يقدم بيضته للثعابين
حتى يسود السلام
(وبعدين تلاقيها بكل بساطة بتفضح المتخاذلين اللى همهم بطنهم وتجارتهم وانهم يعيشوا جنب الحيط.. المواطنين الشرفاء اللى موجودين فى كل زمان)
فكيف أقدم رأس أبى ثمنا؟
من يطالبنى أن أقدم رأس أبى ثمنا
لتمر القوافل آمنة
وتبيع بسوق دمشق: حريرا من الهند،
أسلحة من بخارى،
وتبتاع من بيت جالا العبيد؟

الخلاصة: فى وقت ما لما الإنسان بيفقد كل شيء، ويخسر حبايبه واصحابه وأهله وكرامته، ساعتها بيتساوى عنده عمار الدنيا أو خرابها، ساعتها بيتمنى ان العالم كله يطحن فى بعض والكون يتهد.. اليأس وحش، لأنه بيوصلك لمرحلة.. (إياكش تولع).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *