الأمل سلاح ذو حدين

كنت صغيرًا عندما رحل أخي الأكبر (أحمد) إلى العراق منتصف عام 1990، تقوم الحرب بعدها بأيام، وتنقطع أخبار أخي بعد المعركة، تمر الشهور والسنون، وأمي تدور ومعها أبي على كل الهيئات الرسمية علّها تجد إجابة لسؤالها المكلوم: «هوه مات ولا لسه حيّ؟ طب لو مات قولولي بس ارتاح».. لا إجابة.
عشنا سنوات، نتلمس في البلدة أخبار أي عائد من جحيم العراق، أذهب إليه حاملًا صورة لأخي، فيصدمني: «ده بلد كبير.. صعب حد يشوف فيه حد».. أعود إلى أمي لأخبرها أن.. «إن شاء الله خير.. بيقولوا لسه فيه ناس هتيجى».
مضت سبعة وعشرون عامًا، يظن المغفلون أن أمي التي لا يسعدها سوى أن يناديها أحد بـ (أم أحمد) قد نسيت، يزورها (أحمد) ابن أختي الكبرى، ويداعبها (أحمد) ابن أخي الكبير، وتزور هي (أحمد) ابن أخي الآخر، كلهم صور مصغرة، ولكن أين غاب الأصل؟ بضحكته، بانطلاقه، بخناقاته الدائمة معها، تقف بذكرياتها عند الخناقات ويختنق صوتها: «طب هوه ييجي ويزعّق براحته».
كنت صغيرًا عندما كان صوت الشجار بين أمي و(أحمد) يصل إلى الجيران، شاب يعتمد على نفسه تمامًا طلبًا لاستقلال يعرف أنه الطريق إلى حرية تخنقها تعليمات الكبار، وأم ترى ابنها الأكبر، فرحتها الأولى، ينفصل تدريجيًا عن وصايتها.. قلبي الصغير العبيط جعلنى أعتقد وقتها أن المشاعر بينهما تذوي وتموت، ولكن مع كل يوم عشته ودرس فهمته، وكل لفتة حنان غمر (أحمد) بها أمي أمامي، وكل دمعة ذرفتها أمي عليه بعد غيابه، تأكدت أن قسوة البعد من شدة الحب، وصرخة اللسان يسبقها بلسم الحنان.
لم يغب (أحمد).. ألمحه في دموع عين أخي التي يواريها تحت نظارته عندما يتذكر مقالبهما معًا، وفي نظرات أخي الآخر الساهمة عندما يتذكر قربه منه، وفي صمت أبي الدائم ومصمصة شفاهه عندما يأتي ذكر ابنه الأقرب إلى قلبه، وحيرة لسانه: «ربنا يمسيه بالخير» أم «ربنا يرحمه»، نسعفه بالحل: «الرحمة بتجوز ع الحي والميت».
حتى في توزيع أي حقوق أو ميراث، يطفو السؤال على السطح: «طب وحق أحمد؟»، ننكس رؤوسنا في خجل، لا يجرؤ أحدنا على النطق، تسعفنا أمي بابتسامة: «يتوزّع.. ولما ييجي أحمد ابقوا رجّعوه».
الأمل ليس في كل الأوقات رحمة، بل أحيانا يكونأكثر قسوة من فقدانه.فأمى مازالت تقف على الباب وهى تحمل صورة أخى تنتظر العائدين وتسألهم على رأيتم أحمد؟..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *