دنيا ودين

القيم في قصة أصحاب الغار

القيم في قصة أصحاب الغار

أولا: قصة أصحاب الغار:

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ” بينما ثلاثة نفر يمشون أخذهم المطر فأووا إلى غار في جبل فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل فانطبقت عليهم فقال بعضهم لبعض انظروا أعمالا عملتموها صالحة لله فادعوا الله بها لعله يفرجها عنكم قال أحدهم اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران ولي صبية صغار كنت أرعى عليهم فإذا رحت عليهم حلبت فبدأت بوالدي أسقيهما قبل بني وإني استأخرت ذات يوم فلم آت حتى أمسيت فوجدتهما ناما فحلبت كما كنت أحلب فقمت عند رءوسهما أكره أن أوقظهما وأكره أن أسقي الصبية والصبية يتضاغون عند قدمي حتى طلع الفجر فإن كنت تعلم أني فعلته ابتغاء وجهك فافرج لنا فرجة نرى منها السماء ففرج الله فرأوا السماء وقال الآخر اللهم إنها كانت لي بنت عم أحببتها كأشد ما يحب الرجال النساء فطلبت منها فأبت علي حتى أتيتها بمائة دينار فبغيت حتى جمعتها فلما وقعت بين رجليها قالت يا عبد الله اتق الله ولا تفتح الخاتم إلا بحقه فقمت فإن كنت تعلم أني فعلته ابتغاء وجهك فافرج عنا فرجة ففرج وقال الثالث اللهم إني استأجرت أجيرا بفرق أرز فلما قض عمله قال أعطني حقي فعرضت عليه فرغب عنه ! فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه بقرا وراعيها فجاءني فقال اتق الله
فقلت اذهب إلى ذلك البقر ورعاتها فخذ فقال اتق الله ولا تستهزئ بي فقلت إني لا أستهزئ بك فخذ فأخذه فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج ما بقي ففرج الله وفي رواية فخرجوا يمشون.[1]

ثانياً: القيم  في القصة أصحاب الغار:

أ.: القيم الإيجابية:

1.القيم العقدية:

ظهرت القيم العقدية في هذه القصة النبوية من خلال القيم الآتية:

القيمة العظمى وهي قيمة الإيمان بالله تعالى: فالرجال الثلاثة كانوا مؤمنين بالله سبحانه وتعالى، وهذا يظهر في

القصة ( فقال بعضهم لبعض انظروا أعمالاً عملتموها صالحة لله فادعوا الله تعالى بها لعل الله يفرجها عنكم) فتظهر هنا استشعارهم عظمة الله سبحانه وتعالى وحبه في المقام الأول.

قيمة الإيمان بالقدر خيره وشره: فقد رضوا بما أصابهم من هذا الابتلاء حن أغلقت على باب الغار الصخرة،

فواجهوا قدر الله بقدر آخر، كما قاموا بتحمل المسؤولية وعدم إرجاع كل فشل أو خطأ لقضاء الله وقدره. فتربية هذه  القيمة  في نفوس المتعلمين تجعلهم حينما يقرءون مفهوم القدر ويستوعبوه تعظيم الله سبحانه وتعالى وعلى المزيد من الإعجاب والتفكر بشأن الله تعالى، إذ كيف قدر على الخلق كلهم قبل خلق السماوات والأرض بآلاف السنين ما سيحدث معهم، مثل هذا فيه تربية لهم على معرفة معاني الربوبية لله تعالى وإحاطته بهم إحاطة حقيقية وشاملة مما يجعل المؤمن يتواضع لله تعالى ويزداد إجلالاً له ومحبة وتعظيماً.[2]

  1. القيم التعبدية:

ظهرت القيم التعبدية في هذه القصة كقيمة التقوى، فهذه القيمة أنجت الرجال الصالحون من الموت في

الغار بفضل الله سبحانه وتعالى، فمن فوائد هذه القيمة تفريج الكروب وسعة الرزق، قال الله سبحانه وتعالى : ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ۞ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق، 2-3 ]

كذلك ظهرت قيمة الدعاء، فقد قام الرجال الثلاثة بالدعاء إلى الله سبحانه وتعالى متوسلين إليه أن يفرج عنهم،

ودعوه بصالح الأعمال التي قاموا بها (انظروا أعمالاً عملتموها صالحة لله فادعوا الله تعالى بها)،  فالدعاء لا يكون إلا لله وحده، فيجب على المسلم أن يلجأ إلى الله وحده دائماً بالدعاء وخاصة حين نزول الشدائد ، فلو يدعوا أحداً إلا الله سبحانه وتعالى ، قال الله تعالى : ﴿ وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس، 106] .

وظهرت قيمة الإخلاص؛ فقد دعوا الله سبحانه وتعالى بإخلاص فدعائهم وأعمالهم كانت خالصاً لوجه الله تعالى، فهذه القيمة سبب لمغفرة الذنوب، وسبب لتيسير الأمور للمسلم كما في هذه القصة حين دعوا الرجال الثلاثة الله سبحانه وتعالى بأعمالهم بإخلاص مبتغين وجه الله تعالى فقد يسر الله تعالى لهم وقبل دعائهم، فالمسلم يتربى على الإخلاص في كل أمور حياته مبتغياً وجه الله سبحانه وتعالى، لينا الأجر والثواب.

كذلك ظهرت قيمة الصبر، فقد صبروا الرجال الثلاثة بما أصابهم من محنة عندما أغلقت صخرة باب الغار، “فالصبر قيمة حياتية وسِمة يتسم بها الأنبياء والصالحون والمقتدون بهم كما أن للصبر جزاء عظيم عند الله سبحانه وتعالى؛ فالصبر ضياء ونور في الدنيا وعطاء بلا حدود في الآخرة، قال الله سبحانه وتعالى:﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ “.[3]

  1. القيم الاجتماعية:

وقد ظهرت قيمة بر الوالدين و وقيمة الإيثار في هذه القصة متلازمتان يبعضهما البعض، فقد قام الأول بتقديم الخدمة لوالديه، وآثر على نفسه وعلى أولاده وعلى زوجته لإرضائهما.

فقيمة بر الوالدين من أعظم القربات لله تعالى، قال الله سبحانه وتعالى:﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ [الأحقاف،15]، فقيمة بر الوالدين تزرع في نفوس الأبناء من خلال التربية الصالحة والوعظ وحسن معاملة الأبناء، كما أن هذه القيمة تحقق القدوة الحسنة للأبناء في جميع سلوكياته الاجتماعية، فالبار بوالديه يبره أبناءه، كما أن هذه القيمة تحقق الترابط الأسري وترابط المجتمع ببعضه ببعض.

أما قيمة الإيثار فقد ظهرت في القصة مع الرجل الأول حين آثر على نفسه وأولاده ليرضي والديه، فلهذه القيمة فوائد عدة منها: تطهير النفس من البخل ومن الحسد والحقد، التأليف بين القلوب فتتراحم، الإيثَار طريق إلى محبة الله تبارك وتعالى، كما أن الإيثار يقود المرء إلى غيره مِن الأخلاق الحسنة الحميدة كالرَحمة وحب الغير والسعي لنفع الناس، قال الله سبحانه وتعالى:﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر،9] .

ومن القيم الاجتماعية قيمة العفة، فهي تظهر في دعاء الرجل الثاني حين راود ابنة عمه ثم عندما اقترب منها قالت له: يا عبد الله اتق الله ولا تفتح الخاتم إلا بحقه. فقمت عنها، فهذا الرجل اختار طريق العفة والابتعاد عن الحرام، فمن العفة حفظ الأعراض حصانة ضد الزنا والإباحية، و صيانة للمرأة من المهانة والاستغلال، وتأمين سلامة المجتمع بوقاية من الشرور والآفات وانتشار الأمراض الفتاكة، وحراسة الفضيلة في المجتمع، ويمنع المسلم من هتك أعراض الناس. ففي ظل الفتن والشهوات المنتشرة في أيامنا فإن الحاجة ضرورية إلى تربية قيمة العفة في حياة المسلمين، فالرجل في هذه القصة أنجاه الله تعالى بسبب عفته هو وأصحابه من المحنة، فبقيمة العفة تنتج مجتمعاً طاهراً ونظيفاً.[4]

وتظهر قيمة الأمانة واضحة في هذه القصة في دعاء الرجل الثالث، فقد حفظ هذا الرجل أجرة العامل حين تعذر أخذها،قال الله سبحانه وتعالى:﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾[النساء، 58]، فقيمة الأمانة قيمة مهمة في حياة المجتمع الإسلامي فمجتمع تنتشر فيه الأمانة مجتمع خير وبركة، كما أن الأمين يحبه الله تعالى ويحبه الناس.

ومن القيم الاجتماعية قيمة الصحبة الصالحة فهي تظهر صحبة الرجال الثلاثة حين كانوا معاً، فقد بينت القصة النبوية أنهم كانوا صالحين، وخاصة عند دعائهم لله تعالى، فالمسلم عليه أن يحن اختيار الصالحين،  فالصحبة الصالحة زينة في الرخاء، وعدة في البلاء، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾[ الزخرف،67].

ومن القيم الاجتماعية في هذه القصة قيمة التعاون، فقد تعاونوا الرجال الثلاثة فيما بينهم في محنتهم بعد أن أغلق عليهم باب الغار، فلم يقوم كل واحد منه بمفرده بالدعاء إلى الله سبحانه وتعالى منفرداً عن الآخر؛ كما أن الله سبحانه وتعالى أنجاهم الثلاثة معاً حين كانوا متعاونين في محنتهم، فقيمة التعاون تمنح المسلم الإحساس الكبير بالاطمئنان وبالسعادة، كما أن تربية المسلم على قيمة التعاون تعمل على أهمية العمل في فريق عمل جماعي منظم، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [ المائدة،2].

  1. القيم الاقتصادية:

ظهرت في القصة قيم اقتصادية كقيمة العمل وقيمة حفظ حقوق العمال فهذا ظهر في كلام الرجل الثالث، من أسباب استجابة الدعاء ورفع البلاء هو الإخلاص في العمل وآداء حق العامل وذلك لما تصنعه الأمانة وآداء الحقوق في النفوس من التوازن ، واليقين بأن جهد العامل لا يضيع مع مرور الوقت.[5]

فالمسلم يستشعر قيمة العمل وإتقانه على أكمل وجه وأداء واجبه بشكل المطلوب، كذلك احترام حق العمال فالعلاقة بين صاحب العمل والعامل في الإسلام علاقة احترام وعدل.

ومن القيم الاقتصادية وردت بصورة ضمنية قيمة محاربة الفقر رغم وجودها في القصة بصورة سلبية في دعاء الرجل الثالث حين أصاب بنت عمه فقر فاضطرت أن تأخذ المال منه مقابل الوقوع بها قبل أن تقول له اتق الله، لكن ممكن الاستشهاد بها بصورة إيجابية، فالتربية الإسلامية تربي أبناءها على محاربة الفقر بطرق إيجابية مثل الزكاة والصدقات والتكافل الاجتماعي، والابتعاد عن استغلال الآخرين.

ب.  القيم السلبية:

ظهرت قيم سلبية عدة في هذه القصة وهي ما يأتي:

  1. القيم السلبية الاجتماعية:

ظهرت قيمة الزنا في هذه القصة حين أراد الرجل الثاني أن يزني بابنة عمه، فالتربية الإسلامية تحارب هذه القيمة السلبية، من خلال تربية النفوس على العفة من خلال غض البصر والزواج الشرعي وتطبيق الحد على مرتكب هذه القيمة السلبية بالجلد أو الرجم.

  1. القيم السلبية الاقتصادية:

ظهرت قيمة الاستغلال في القصة حين أراد الرجل الثاني دفع المال لابنة عمه مقابل الوقوع بها، فهذا استغلال لها، فالمسلم يبتعد ويحارب مثل هذه القيمة السيئة،

الجدول الأتي يبين شكل القيمة ونوعها الإيجابية في قصة الغار.

[1] .مسلم، صحيح مسلم،كتاب الرقاق،باب قصة أصحاب الغار الثلاثة والتوسل بصالح الأعمال، دار إحياء الكتب العربية،2743 

[2] . خطاطبة، عدنان، الأصل العقدي للتربية الإسلامية، اربد، دار الكتاب الثقافي، ط1، ص175.

[3] .محجوب، عباس، نصوص تربوية من القرآن الكريم والسنة النبوية والتراث، عمّان، جدارا للكتاب العالمي، ط1، 2006م، ص85.

[4] . الشحود، علي نايف، القصص في السنة النبوية دروس وعبر،مرجع سابق، ص93.

 

[5] ..  الحسني، أحمد، أهمية العمل في الإسلام، على شبكة الإنترنت، 28/4/201م،   http://www.arab-eng.org/vb/t120329.html

 

السابق
الأمل ..
التالي
الأهداف : 3/ بين النجاح و الفشل

اترك تعليقاً