مقالات

إستشراف المستقبل

إلى أي مستقبل نرنو ؟

وما سبيل الوصول ؟

ولكي نجيب على هذه التساؤلات كلها، لابد أن نعرف أي الطرق سنسلك؟
َ وأي الخيارات سنتبنى؟ أو أن نتنازل عن عقولنا فنلقي بقيادنا لأهل الكهانة والتنجيم،
أو أن نبقى أسارى للتاريخ، نقف عنده لنتغنى بأمجاده التي طوتها صفحاته، ونسمح
لأسواره العالية وحصونه المنيعة أن تمنعنا من التشوف إلى المستقبل، أو محاولة
ارتياد آفاقه؟ أم نستمع لمن يردد في آذاننا بأن الزمن الحالي هو كل ما نملك، وليس
علينا أن ننشغل بما عداه؟ أننظر إلى المستقبل بعدسة  الأحلام والأمنيات؟ أم المخاطر
والأزمات؟ أنقف في أبراجنا العاجية ننظر إلى المستقبل بحلول افتراضية غير صالحة
للتطبيق على أرض الواقع؟

ثمة توجه جديد لاح في أفق الحضارة اإلنسانية، إنه علم استشراف المستقبل،
ً هو ليس انتهاكا لستر الغيب كما يدعي البعض، أو أنه مجرد تخمينات عبثية لا طائل
منها، أو أنه هاجس الفضول الذي يستحوذ علينا لاطلاع على الغيب، أو التجسس
ٌ على المجهول. إنه علم ّ يدرس، وله قواعده وأصوله. كما أن له خبراءه ومن يختص
به، لننتفع من عقولهم النيرة الكثير، وننهل من معارفهم ما ينور بصيرتنا، ويهون علينا
السير إلى المستقبل.

المسألة ليست من قبيل الترف الفكري، ولا جلسات نقاش يتم تداول توصياتها على
ً نطاق ضيق، بعيدا عن اتخاذ قرارات حاسمة في هذا المجال، إنما هي مظلة تجمع تحتها
العديد من المختصين في هذا الشأن، كما تسمح بتبادل الأفكار بين القادة والباحثين بما يؤسس لرؤية مستقبلية تخص طبيعة الحكومات التي ستحكم العالم، والحديث هنا عن المستقبل الذي هو ساحة فسيحة للإمكانيات والرؤى، هو بمثابة الحديث عن مصير الأجيال القادمة، أي ميراث البشرية لجهة انقطاع الحضارة، أو ديمومتها.

لقد أضحت الحاجة إلـى الـدراسـات المستقبلية، أو استشراف المستقبل من
ّ الضرورات الملحة في عصرنا، لا سيما وأن التغيرات متسارعة ومتنامية، كما أن البيانات
متضخمة ومتشعبة، والأحداث متداخلة ومتلاحقة، والتطلعات متزايدة وملحة.

ولطالما كان النظر في المستقبل يدل على الأوج الحضاري والإنفتاح فيه، لا سيما
وأن الدراسات المستقبلية المعاصرة قد ظهرت أولى محاولاتها بشكل ممنهج في أعقاب
الحرب العالمية الثانية، وفي دواليب مؤسسات أمريكية. وكذلك شارت المدرسة الفرنسية
في هذا السياق، وما زالت تعطي في هذا الجانب، لكن المدرسة األمريكية كانت سباقة
من خلال ما يسمى بخلايا الأفكار، أو ما يسميه البعض ببيوت الخبرة، لتسويق الأفكار
وصناعة القرارThink Tanks ،والتي بدأت تنظر إلى الدراسات المستقبلية باعتبارها
تصب في مصلحة السياسة الخارجية، وتحقق مصلحة الدول الكبرى في الهيمنة العابرة
للقارات، كي تستحوذ على معرفة ما يمكن أن يجري في العالم فيما بعد؟ وما هي
إمكانيات تلك الهيمنة؟ وما حدودها؟ ما هي احتمالات تسويق الأفكار؟ أو تسويق
الخدمات والمنتجات؟ و تأثيرها على الساسة والشعوب؟ وفي إنتاج شكل للعالم؟ وما
ً هي الخرائط المستقبلية؟ وهلم جرا.

 

السابق
تحول الممر الشرفى الى الممر الدموى لليفربول
التالي
ثلاث خطوات لبناء روتين صباحي أفضل

اترك تعليقاً