خاطرة

خوفٌ مِن الخوف

غسان طالباً جامعيا ولديهِ العديد من الاصدقاء والمعارف.

كان يتصف بالنشاط والشجاعة المفرطة التى جعلته يتميز عن جميع من حوله.

فمن يوم أن عرفه اصدقائه وهم يعرفون انه انسان محب للمغامرة وقلبه لا يهاب شيئ، وفى يوم من الايام جائه احد اصدقائه حيث كان واقفا بأحد الاماكن داخل الجامعة وقال له:

“هناك رحلة الى احد الاماكن الشاطئية مدتها اسبوعا كاملا، ما رأيك هل ستذهب ام لا؟”

فلما سمع غسان كلمة رحلة والى البحر قال له بحماسة وبدون تفكير:

“بالطبع سوف اذهب، انا اعشق البحر كما تعرف… ولكن اين ستكون الاقامة، فى فندق ام سنخيم فى الصحراء”

“فى الحقيقة لا اعرف. ولكن ما الفرق! ففى الحالتين سيكون البحر موجود وهو الاهم فى الرحلة”

“بالطبع لا.. فحياة التخييم حياة رائعة ولها شعورها الخاص، الم تجرب ان تحيا فى خيمة وسط الجبال من قبل؟”

“فى الحقيقة لا”

“اذا تمنى ان تكون الاقامة فى خيمة، وستعرف وقتها المتعة الحقيقية”

“حسنا اتمنى ان تكون كذلك ويكون كلامك صحيح واشعر بالمتعة كما تقول، فأنا لم اجرب العيش في الخيام من قبل”

“اذا هيا بنا الان نذهب لنعرف تفاصيل الرحلة كاملة، وإن كانت كما اتمنى وذهبنا بالفعل، ستعرف وقتها متعة العيش فى خيمة امام البحر ووسط الجبال”

وبالفعل ذهب غسان وصديقه الى المكان الذى فيه الاسرة التى ستنظم الرحلة، وعرفا من هناك كل شيئ”

كانت الرحلة كما تمناها غسان وهى انهم سيخيمون على مقربة من البحر، ولهذا لم يتنظر مرور اليوم ولا معرفة من سيذهب معه وقام بدفع قيمة الاشتراك.

مرت الايام وجاء ميعاد الذهاب الى المكان وقد كان معه معظم اصدقائه، وفى اول ليلة لهم هناك كانوا جالسون يتحدثون وامامهم الحطب المشتعل الذى بالكاد ينير وجوههم وايديهم.

مر الوقت الى ما بعد منتصف الليل بساعة والظلام كان شديدا فقال احدهم:

“اتعرفون اننى اخشى الظلام”

فضحكوا جميعا وقالوا “اذا انت مرعوب الان ايها الجبان”

فأبتسم وقال: “لا ليس الآن… فنحن لسنا فى مكان مهجور وانتم معي وامامنا شعلة من النور فلا خوف اذا. أنا اخشى ان امشى او اقعد فى مكان مظلم واكون وحيداً فيه”

فسأله غسان: “اذا ماذا ستفعل ان كنت فى سفينة فى منتصف البحر، فى درك الليل، واصابها خرق ورأيتها تغرق.. ولم يكن لديك سبيل غير القفز منها للنجاة بحياتك.

فالجميع قد غرقوا ولم يبقى سواك، وليس لديك امل سوى ان تأخذ احد العوامات وتنزل بها فى المياه. فهل ستموت من الرعب ام ستحاول انقاذ نفسك وتسعى للنجاة؟”

فلما سمع هذا الكلام ضحك وقال: “ما هذا الخيال الاسود.. هل هذا احد الافلام الاجنبية”

فأبتسم غسان وقال: “لا، انا فقط اختبر شعورك ودرجة خوفك.. لأعرف هل خوفك سيجعلك تهلك دون ان تحاول انقاذ نفسك، ام ان حب الحياة سيجعلك تستجمع شجاعتك وتحاول”

“نعم فهمتك” قالها الصديق ثم اخذ يفكر ويسشعر الموقف ثم عاد للكلام من جديد قائلا:

“لا اعرف، ولكن عندما افكر فى هذا الامر اشعر أن جسدى يقشعر.

اظن اننى لن اقدر على التصرف وقتها واننى سأستسلم او اموت من الخوف.. فأنا اخشى البحر واخشى الظلام واخشى الوحدة.

فما بالك إن تجمع الثلاثة معاً، فأنهم بالطبع سيقضون علي”

فقال غسان: “نعم، ولكن اتعرف انا لو مكانك لحاولت جاهدا حتى اصل لبر الامان، ولن يكون هلاكي بسبب الخوف ابدا.

فلو حدث معي موقفا مشابها مثلما قلته لك.. لكان هلاكي ربما من احد الحيوانات المفترسة داخل البحر والتى لن اقدر أن احاربها.

او لعدم قدرة جسدى على المواصلة فى السباحة، ولكن الخوف من الوحدة والظلام ومياة البحر وإن تجمعوا فلن يفعلوا معي شيئ.”

فقال الاصدقاء له وهم يضحكون “غسان قلب الاسد”

فتحدث بنبرة التحدي: “هل تظنون أني امزح، اذا ما رأيكم فى ان اريكم شيئا واقعيا الان.. يؤكد لكم كلامي”

فقال احدهم:

“ماذا ستفعل.. هل ستؤجر  سفينة وتذهب بها لمنتصف البحر ثم تغرقها”

فضحك ثم اجاب: “لا ليس كذلك.. ولكنى سأنزل المياه الان واذهب الى منطقة الخطر”

فقال آخر: “انت تمزح اليس كذلك؟”

“لا انا لا اعرف المزاح فى هذه الامور… وهيا الآن لتروا بأعينكم”

“يا غسان، لا داعى لأن تكون متهورا كى ترينا شجاعتك… فنحن نعرف انك لا تخشى الظلام ولا البحر.. ولكن ما تريد ان تفعله هو مجرد جنون، فتحلى بالعقل افضل لك ولنا”

“لا تخاف فانا لن اذهب الى مكان واُغرق نفسي.. فأنا فقط سأسبح الى مكان نصل اليه فى النهار.. ولكن بالليل سيكون مشوقاً اكثر، فهيا بنا لا تخافوا فالعمر بيد الله وحده”

ثم قام غسان وجرى مسرعا بإتجاه البحر وخلع ملابسه ونزل المياه.

أما اصدقائه فقد حاولوا اللحاق به ولكنهم فشلوا، واخذوا ينظرون اليه من على الشاطئ مرددين الصيحات فى محاولة لارجاعه.

ظل يسبح حتى بَعُد كثيرا عن الشاطئ، وصار من الصعب عليهم ان يرونه لشدة الظلام

فقال احدهم وهو خائف:

“ما هذا، أين اختفى هذا المتهور فاقد العقل، قد يكون حدث له شيئا”

وظل الجميع يتحدثون ويتناقشون فيما يمكن ان يفعلوه، فقد اقترح احدهم على الاخرين محاولة النزول الى المياه ولكن الاقتراح تم رفضه رفضا تاما.

واقترح الاخر الذهاب وابلاغ المشرفين القائمين على تنظيم الرحلة.. ولكنهم قرروا الانتظار قليلا حتى شعروا ان الوقت قد طال وقرروا بالفعل الذهاب والابلاغ عما حدث.

قبل ان يغادروا بلحظة واحدة صاح احدهم: “انتظروا انتظروا”

فتسائلوا: “ماذا حدث؟”

فاجاب: “انظروا هناك انه قادم.. غسان قادم من هناك انا اراه”

فنظروا جميعا واخذوا يحدقون جيدا فوجدوا انه حقا قادم فقالوا بفرحة: “نعم نعم معك حق.. ها هو المجنون آتٍ من هناك”

وشيئ فشيئا اقترب غسان حتى وصل الى الشاطئ فقالوا له:

“اين كنت ايها الطائش… فقد ظننا انك غرقت”

فقال لهم وهو يبتسم: “كم الساعة الان ايها الجبناء”

فقال احدهم: “الواحدة والنصف”

فظل يضحك طويلا ثم قال:

“هل تعرفون كم كانت الساعة عندما بدأت السباحة، كانت الواحدة والربع.. وهذا يعنى ان كل ما قضيته هو خمسة عشر دقيقة فقط.

فهل هذا هو الوقت الطويل الذى جعلكم تظنون انني غرقت”

فقال آخر:

“نحن كنا ننتظرك ونتعجب من فعلك.. وكنا خائفين ان يصيبك مكروه، وانت تعرف ان وقت المنتظر يكون طويلا”

“نعم انا اتفهم هذا.. واعرف اني ازعجتكم، ولكنى كنت اريد ان اخوض هذه المغامرة حقاً والحمد لله انتهت على خير”

فقال صديقه المقرب: “الحمد لله ايها الخارق.. فقد كنت منذ قليل اتخيل الوقت الذى سأقول لوالدتك ووالدك واخوتك انك غرقت”

فضحك غسان وقال: “اتسخر مني.. اذا هل تقدر ان تفعل مثلما فعلت”

“لا لا شكرا جزيلا.. انا اخاف من المياه بالنهار وفى ظل وجود الناس كما قلت لك من قبل.. وانت تريد ان انزل البحر فى الظلام وحدي..فسوف اموت بمجرد ان اضع قدمى فيها”

فضحك الجميع وقال احدهم:

“نعم فهذه قدرات.. ونحن نشهد لك يا غسان بالتفوق علينا فى الشجاعة، وربما سنحتاجك إن هاجمنا اسدٌ فى هذا المكان المُوحش”

فضحك غسان وقال: “حسنا حسنا.. انا انتظره، اهلا وسهلا به”

مرت الايام وانتهت الرحلة وعادوا جميعا الى الديار سالمين.

فى يوم من ايام الدراسة و بعد مرور شهران على عودتهم، وفى لحظة مشابهة للحظة التى تم ذكرها من قبل حيث جاء صديق غسان يخبره عن الرحلة.

قال له صديقه عن رحلة ايضا ولكن هذه المرة لم تكن إلا الى مدينة ملاهى.

ولأن غسان كان مُولع بالرحلات والتنقلات وبالخصوص التى تجمعه بأصدقائه.. وافق على الفور،

وبعد ان ذهب ودفع الرسوم مرت اربعةُ ايام وجاء موعد الذهاب.

ذهب الجميع الى هناك وكانوا جميعا مستمتعين ومتشوقين اثناء الذهاب…وعندما حان الوقت للبدء باللعب كانت الالعاب مثيرة ومشجعة.

فقد كانت احدى الالعاب تصعد الى ارتفاعا عاليا وتلف بسرعة كبيرة وهى مائلة… واخرى عبارة عن قطار يجرى بسرعة رهيبة تجعل الكل يصرخ كالاطفال.

وبينما غسان يقف هو واصدقائه منتظرين دورهم أن يأتي ليتمكنوا من الدخول والاستمتاع بأحد الالعاب المخيفة.. وجد غسان شيئا بداخله يقول له:

الخوف يظهر على وجه الانسان مما يجعل الناس يلاحظون انه خائف.

كذلك يجعل القلب ينبض.. وزيادة النبضات تجعل اليدين ترتعشان ويظهر ذلك جلياً امام الكل.

فقال غسان لنفسه.. وهل انا سأخاف من لعبة، فانا لم اشعر بالخوف من الاشياء الخطرة المرعبة.. ومن لعبة يلعب بها الصغار سأخاف… هذا غير معقول.

فرد عليه نفس الهاتف قائلاً.. ولكن تخيل أن ذلك حدث، ماذا سيكون رد فعل اصدقائك عندما يرون صديقهم الذى لقبوه بالشجاع خائفاً من لعبة.

فسيكون هذا محرج للغاية اليس كذلك.

فقال غسان لنفسه.. ومن قال انى خائفٌ.. انا لستُ خائفٌ من شيء.. انا لستُ خائف.

فرد عليه.. نعم نعم انت حقاً لستَ خائفاً.. ولكن اخبرني، لما قلبك بدأ ينبض بسرعة وربما تزيد سرعتهُ اكثر واكثر.. ويشحب وجهك وترتعش يداك ويراك اصدقائك فى هذا الحال لتصير اضحوكة.

وبالفعل بدأت سرعة نبضات قلب غسان تزداد بشكل رهيب وفى نفس اللحظة ادرك أن احد اصدقائه يحدثه قائلا:

“انت يا غسان، لما لا ترد علي.. الم تكن تسمعنى، فأنا اُحدثك منذ دقيقة تقريبا”

فتعجب غسان وسأله: “هل كنت تقول شيئ؟”

فضحك صديقه وقال له:

“يبدو انك كنت سارحاً فى شيء.. ولكن لماذا يبدو عليك علامات الرهبة هكذا.. هل انت خائف من اللعبة ام ماذا”

فتلجلج غسان فى كلامه وارتبك اكثر وتحدث بصعوبة: “لا لا.. فهل تعرف اننى ممن يخافون لتقول اني خائف من لعبة”

فضحك صديقه مرة اخرى وقال له:

ولكن علامات الخوف واضحة وضوح الشمس على وجهك وعلى نبرة صوتك، فلا داعي للانكار، فانا لم اعرفك منذ ايام حتى تخدعنى أيها اللئيم”… ثم نادى على اصدقائه الذين كانوا يقفون فى صف الانتظار ولكن فى الناحية الاخرى:

“انظروا الى هذه المفاجئة يا اصدقاء… غسان خائف من اللعبة”

فضحكوا جميعا وقال احدهم: “غير معقول، كيف يحدث هذا..هل الفتى الاسطورى هازم قوى الشر ومتحدي الصعاب..يأتى فى النهاية ويخاف من مجرد لعبة. هذه هى المفاجئة الكبرى، يبدو انك مثل الفيل الذى يخشى الفأر”

وبينما هم يضحكون ويتعجبون، كان غسان صامتاً ولا يعرف ماذا يقول فى هذا الموقف المحرج الذى وقع فيه وحتى هو لا يعرف ما سببه.

عندما انتهى اليوم وذهب الى منزله جلس وحده يفكر فيما حدث وكان محتارا ومحرجا وظل يسأل نفسه:

“كيف شعرت بالخوف وانا لم اكن اخشى اللعبة.. لقد صرت اضحوكة بين اصدقائى”

وظل يتذكر الموقف من حين لحين ويشعر بالاحراج والحزن.

 

الخوفُ يجرى بِدَمِ الانسان
له وقتُ مع الاختلاف
**
فرجلٌ يخشى من الثعبان
ويمسكه الاخرُ بقلبٍ جاف
**
فالخوف ينبعُ من القلب
دون شرائعِ أو أعراف
**
ومهما بدى المرءُ جرئ
له من المخاوفِ أصناف
**
فلا تخدعُك مظاهر الناس
فإن الحقيقةَ فى الاجواف
**
وهذه الدنيا خوفٌ وحُزن
بهما القلوبُ تبقى عِجاف
**
فمرةٌ رجل، حيرني خوفهُ
فقالَ خائفاً، أن أخاف



الاسم احمد عبدربه انسان مصري..اعمل حاليا فى الصين كمدرس لغة انجليزية ومُعد مناهج تربوية. لقد بدأت فى الكتابة منذ اكثر من عشر سنوات وكتبت كل شيء كالقصص القصيرة والروايات والخواطر وقصص الاطفال وحتى بعض الاناشيد والمسرحيات القصيرة. اصبح لدي الآن مخزون من المؤلفات لم يُنشر بعد وهذا هو حلمي الكبير بأن ابدأ فى نشر افضل ما لدي على نطاق واسع.

السابق
مواقف من حياة النبي … الرحمة بالخدم
التالي
كيف تجعل من ابنك طفل عبقرى

اترك تعليقاً