أخبار العالم

بيروت، قصة وغصة…

بيروت يا بيروت…

ماذا أخبرك الآن… فأنا أخجل بجروحي الطفيفة ويأسي أمامك… أنت التي ما زلت تقاومين… وما زلت تنهضين… ورغم كل الأوجاع التي أثقلت كاهلك، ما زلت تبتسمين كأم تكابر أمام أطفالها…

ولكنك في هذه المرة مختلفة… كل شيء فيك ما عاد يشبهك… وكأن وحشًا ابتلع بيروت الجميلة بيروت الحب بيروت الفن… وتقيأ بشاعة ودمار وموت…

في الأعوام الماضية تعلمنا كيف نروض أحلامنا على الصمود… اعتدنا العراقيل والمشقات والطرقات الوعرة ما دمنا كنا نصل في آخر المطاف… لم يكن لبنان يومًا بلدًا سهلًا للعيش… ولكنه كان يمنحنا جرعات صغيرة تبقينا أحياء ومخدرين… في بلدي كل شيء كان دائما ينبض بالحياة والحب والفن… كل شخص كان متفائلًا رغم إشارات الكون… كل حلم كان يموت فيولد ألف حلمٍ بدلًا منه…

جيلنا لم تقدم له الفرص بل انتشلها من قلب الفساد والمحسوبيات… ناضل إقتصاديًا وسياسيًا وإجتماعيًا وأحيانًا قدم جزءًا من كرامته مقابل فرصة…

جيلنا لم يستلم وطن…

استلم خربة وتأقلم معها… ويوم نظرنا إلى الخطأ والظلم ولم يثر غضبنا… لم نعرف حينها حجم الخطر… خطر التأقلم على الخطأ…

في الأشهر الماضية… تقلصت أحلامنا حتى ما عادت أحلام… اقتصرت همومنا على الوظيفة والدولار والغلاء المعيشي… وتركنا أسلوب حياتنا السابق وراء ظهرنا… اختصرنا نشاطاتنا، ألغينا رحلات سفرنا، ورضينا بما تبقى لنا حتى إشعار آخر…

ومن ثم انفجر خطر التأقلم فينا وحضرت المأساة الكبرى لتنسف كل الآمال والأرواح والأرزاق… جريمة بحق الإنسانية غص بها الكون…

بضعة أيام لم أفعل شيئًا غير مشاهدة الأمهات والمراسلين والأهالي وأبكي معهم… بكيت على كل شخص ما زال ينتظر مفقودًا وما زال قادرًا على الأمل… بكيت لأن الانتظار بالنسبة لي تعذيبًا للروح… بكيت على الأطفال الضحايا وعلى القلوب التي انكسرت… بكيت على بيروت مدينة السلام والحب والتنوع والأمل…

بكيت لأننا أُنهكنا في ربيع العمر…

بكيت لأنني أينما ذهبت يخبرونني عن لبنان وشعبه… شعبه الذي يشع أحلامًا ولهفة ومغامرة أينما ذهب…

أصبحت أحن لأعوام ما كان يعتبر فيها ظلمًا أصبح سخافة أمام كل نقطة دم…

ليتنا بقينا هناك وشعرنا بالخطر قبل أن ينفجر فينا…





السابق
الشائعات تُلاحق أحمد عز في كل مكان
التالي
مثلث برمودا بين الحقيقة والخيال

اترك تعليقاً