قصة قصيرة

عادات صينية..

 

كان “كريم”، فتى مُغامر وذكي، ويـعشق السفر والترحال، وفي صيف كل عام، يذهب بصحبة أبيه وأمه وإخوته إلى مدينة الأسكندرية، للإصطياف على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، وكان له صديق من الأسكندرية إسمه “خالد”، وكان هو الآخر، فتى مغامر وذكي، ويعشق السفر والترحال، ولكنه، إضافة إلى ذلك، كان يهوى الإطلاع على البحوث والإختراعات العلمية المفيدة للإنسان، وكذلك حُب القراءة في شتى المعارف والثقافات والعلوم، وصادف أن زاره صديقه “كريم”، فوجده منهمكاً في جانب من حديقة بيت أبيه، يحاول اختراع محرك هوائي نفاث، صغير الحجم، وصديق للبيئة، أي بلا دخان، وبلا أبخرة، وبلا صوت، يركبُهُ على بدن طائرة صغيرة، يصنعها من المطاط المتين، خفيف الوزن، سريع الطي، وحالما ينجح الفتى المخترع العبقري في صنع المحرك النفاث، والعلبة الطائرة، يفرح فرحاً شديداً، فيطلب منه صديقه “كريم”، أن يصنع له هو الآخر، محرك نفاث مثل محركه، وعلبة طائرة مثل علبته، ليطيرا معاُ في رحلة إلى بلاد العجائب!. وفي يوم، لا هو بالبارد، ولا هو بالحار، يقلع الصديقان بالعلبتين الطائرتين إلى بلاد العجائب، وكانت أول بلد يحطا بها هى مدينة “بكين”، عاصمة دولة “الصين”، وهناك، فوق إحدى الغابات، يحدث خلل مفاجئ في محرك علبة “كريم”، فيطلب منه “خالد”، الهبوط برفق على أرض الغابة، التي يطيران فوقها، فيهبط “كريم” بسلام، وفي ذيله “خالد”، وبجوار نهر “زي”1، أخذ “خالد” في إصلاح العطل الذي أصاب علبة “كريم”، وقبل أن يُقلعا من جديد، وكان الوقت نهاراً، قبضت عليهما عصابة خطف صينية، واصطحبتهما إلى قلب الغابة الملئ بالأشجار الكثيفة، وربما الحيوانات المفترسة، فاضطرب قلب “كريم”، وخفق بشدة، ولكن صديقه “خالد”، أخذ في تهدئته، وهو يقول له “كُن شجاعاً يا كريم، ولا تخشي شيئاً، وما دام الله معنا، فسيكتب لنا النجاة”، وبداخل الكوخ، المحاط بالحراس الصينيين الأشداء، تعرف السائحان المغامران على الفتى الإيطالي “بربريزي”، الجالس مذعوراً في ركن من الكوخ، وهو يبكي، وعندما اطمئن الفتى إليهما، هدأ بالاً، وتوقف عن البكاء، وفي صباح اليوم التالي، طلبت العصابة الصينية من الفتيان الثلاثة، القيام بصيد السمك، فقضى “كريم” و”خالد” و”بربريزي” ثلاث ساعات متواصلة، يصطادون السمك بالطريقة الصينية العجيبة، ليس لهُم من عمل، إلا أن يطلقوا الطير، ليغوص في الماء، فإذا خرج، إنتزعوا السمك من فمه، أو ضغطوا على حلقه ليلفظه، ولكن “كريم”، ما لبث أن شعر بالتعب، فقال ل”خالد”: أنظل نعمل على هذا الوجه طول اليوم يا صديقي؟. فقال له “خالد”: صبراً يا “كريم”، حتى يأتي الله بالفرج، وهكذا استمر الفتيان الثلاثة، يعملون ثلاث ساعات أخرى، والحراس الصينيون يرقبونهم بشدة، فلا يسمحون لهُم بالراحة لحظة واحدة، فلما طال الوقت على “كريم”. هتف: إلى متى يا ربي نعمل بلا راحة؟. وأما آن لهذا الطير المسكين، أن يستريح هو الآخر من عناء الصيد، أو أن يأكل شيئاً من صيده على الأقل؟. فضحك “خالد” وقال: من قراءاتي عن عادات أهل الصين، علمت بأنهم عند الصيد بتلك الطريقة العجيبة، فإنهم يعتقلون الطير من الصيد، إذا أظلم الليل، ويتركون له بعض ما يصيده بعد ذلك، ليتغذي به، ولا تقلق، بالتأكيد سوف يعتقوننا نحن أيضاً، ويسمحون لنا بالطعام، وإلا هلكونا جوعاً،فلا يستفيدوا مننا. ومن أجل هذا إطمئن. فلما كان المساء. قدم الحراس للمخطوفين الثلاثة وجبة العشاء، وكانت من طبق رز، وسمكة ناشفة، لكل واحد منهم، فقال “كريم” متأففاً: يا ربي. أهذا هو كل ما يقدمون لنا من الطعام، بعد نهار شاق في الصيد، لم نسترح فيه لحظة واحدة؟. فقال له “خالد”: يا “كريم”. كل واحمد ربك. فقال له “كريم”:طيب. أين الملعقة التي نأكل بها الرز؟ هيا أجبني. فأجابه “خالد” وهو يضحك: ألم ترى هذين العودين الخشبيين على الطبق؟. إنهما الملعقة التي يؤكل بها الرز عند أهل الصين، فانظر، هل تستطيع أن تستخدمهما؟. وفي الحال، حاول “كريم”، أن يلتقط الرز بالعودين الخشبيين، ولكنه عجز عن ذلك، بعد محاولات كثيرة، فألقاهما جانباً، وأخذ يأكل الرز بيده، كما يأكُل أهل الصحراء، والفقراء من أهل القرى، وكان الضجر والتأفف باديين على وجهه، فقال له “خالد”: أتضجر من يوم واحد يا “كريم” في هذه البلد العجيبة؟. فكيف إذا عملت بين عصابة الخطف الصينية 365 يوماً، تأكل كما يأكلون، وتعمل كما يعملون؟. فعقب “كريم” وقال مندهشاً: نعم؟. أتتكلم بجدية؟. أحقاً هذا هو طعامهم الذي يأكلونه كل يوم؟. فأجابه “خالد”، وهو يكاد أن يستلق على قفاه من كثرة الضحك: نعم. أتكلم بجدية. وهذا هو طعامهم الوطني، الذي يأكُله أكثر أفراد الشعب الصيني، وليس هم فقط، أما الأغنياء منهم، فقد يأكلون معه أصناف أخرى، يتخذونها من أنواع عجيبة من السمك، أو من لحم الكلاب السمينة، الصغيرة، أو من الضفادع، أو من قواقع البحر المقلية بزيت الخروع، أو من بعض أنواع الفئران. فقال “كريم” بامتعاض: إف. كفي بالله يا “خالد”، فقد غثيت نفسي، حتى أكاد أقذف كل ما في بطني من شدة الغثيان. فضحك “خالد” من جديد وقال: لا تنسى يا “كريم”، أنك من رغبت في زيارة بلاد العجائب، أليس كذلك؟.

-نعم. أنا من رغبت.

-فعلام التذمر والتأفف والضيق، وأنت لم تر إلا جزء يسير من عجائب مدينة بكين، والعادات الصينية؟.

-وهل هناك يا “خالد” أكثر من عجيبة الخطف، وعجيبة الصيد، وعجيبة طعامهم، وطريقة تناوله؟.

-نعم. وإن شعب الصين شعب عجيب، ولو عشت هنا زمناً أكثر، لرأيت عجائب من عاداته أكثر، لا تخطر لك على بال، فأكثر النساء الصينيات مثلاً يلبسن البنطلون، في حين ترى معظم الرجال يلبسون الجونلات، واللون الأبيض عندهم هو لون الحزن والحِداد، واللون الأسود هو لون الفرح والسرور، والأظفار الطويلة عندهم هى رمز الشجاعة والقوة والفتوة، وغاية الجمال عند الرجال الصينيين، أن يكون الشعر كثيفاً في صدورهم وأذرعهم. فعقب “كريم” ضجراً: كفى . كفى. لا أريد أن أعيش هنا زمناً طويلاً، ولا زمناً قصيراً، إنها عادات عجيبة حقاً، ولكني لا أريد أن أعرفها، ولا أن أراها، فليتنا نستطيع أن نفارق مدينة بكين، والصين كلها، وبأسرع ما يمكن. فقال له “خالد”، وهو يبتسم هذه المرة: وكيف نفارق مدينة بكين، والصين بكاملها، وبأسرع ما يمكن، أو بأبطأ ما يمكن، وأفراد تلك العصابة الصينية، لا يريدون أن يطلقوا سراحنا، إلا إذا دفع كل منا إليهم مالاً كما طلبوا. أم تراك قد نسيت؟.

-لا. لم أنس.

وأضاف “كريم”، وقد نفذ صبره: ولكن. هل أفهم من كلامك، أننا يجب والحال هكذا، أن نعيش هنا إلى الأبد، إذا لم يدفع كل منا إلى العصابة الصينية مالاً، إن الموت خير من ذلك يا “خالد”، فكيف نستطيع مواصلة رحلتنا دون مال؟. سيكون مصيرنا الموت جوعاً. فعقب “خالد” وقال:لا. إطمئن. لن نعطي العصابة الصينية عن طيب خاطر المال الذي خبأته في علبتي الطائرة، فهم فتشونا، ولم يجدوا شيئاً، ولكنهم على ما يبدو، يأملون بعد استغلالنا في صيد السمك لأطول وقت ممكن، طلب فدية من أسرنا. فانتفض “كريم” معقباً، وهو يضحك هذه المرة: يا لهم من أغبياء أين هى أسرنا؟. مئات الكيلو مترات تفصلهم عن أسرنا. فقال “خالد”: هم ليسوا أغبياء كما ظننت، ولكنهم يعتقدون أننا نقيم مع أسرنا في مدينة بكين، ولا يتصورون أننا أتينا من وراء الحدود. وواصل “خالد” وقال: ولكن، ما أسرع اليأس إلى قلبك يا صديقي. ما كنت أظنك هكذا، ونحن في أول رحلتنا. ثم مال على أذن “كريم” هامساً: صبراً، صبراً، لقد اهتديت إلى حيلة عبقرية، نفر بها من هذا الأسر، بأسرع مما تتصور، فانتظر إلى الغد لترى…!..

 

قصة للطفل من روايتي “رحلة في بلاد العجائب”

عزت عبد العزيز حجازي

 



السابق
رحلة يوفيتش من التهديد ببتر ساقيه للحصول على 365 ألف جنيه استرليني أسبوعيًا
التالي
من أجل رموش للعين يتغزل فيها الشعراء!

اترك تعليقاً