قصة قصيرة

طفل الدكة الحجرية

طفل الدكة الحجرية

طفل الدكة الحجرية

 على دكة حجرية بالقرب من نافذتهم جلس صالح كما تعود أن يفعل حزينا، كسير الخاطر يمد يديه الصغيرتين للعابرين، فإذا تاقت نفسه لضوضاء الجو العائلي و دفء أحاديث الصغار وهم يتشاكسون، أو يلعبون

أو يحفظون القرآن، وضع حجارة من الآجور التي يفترشها ليلا لينام فارتقت به إلى النافذة، فيتابع بعينيه المتعطشتين إلى تلك الأجواء : شقشقة الشاي و أناشيد التلفاز و صراخ الأم و حكايات الجدة اللذيذة…

ألاعيب سليمة الماكرة صار يعرفها جيدا، وهو يراها تخبئ أي شيء في يديها الصغيرتين و تسأل سليم أن يخبرها باليد التي تخبئ فيها قطعة النقود حتى إذا خسر في كل المرات كان عقابه أن يسلمها قطعة البسكويت التي يشريها له أبوه صباحا

وكان صالح يود في كل مرة أن يقول لسليم بأن سليمة المكارة تتحايل عليه لأخذ بسكويته لكنه يتراجع، فيصرخون في وجهه إذ يعتقدون أنه مجرد لص، ولن يأبه لحكايته الحزينة الأليمة التفاصيل أحد. كان هو أيضا يسكن بيتا صغيرا رفقة أمه

لم يكن في بيتهم رجل كما في بيت سليم و سليمة، وكانت أمه كثيرة الخروج كثيرة البكاء,,,وكان في مرات استيقاظه من النوم على حين غرة يسترق السمع فتصله أناتها وهي تؤنب وتخاصم رجلا و تقول له :ماذا ستقول لله لا تريد أن تعترف به… ولا تريد حتى الإنفاق عليه

وكان يسمع صراخ رجل عبر أسلاك الهاتف يردد غاضبا:

ابحثي عمن يصدق كلامك و ابتعدي عني سأغير هذا الرقم كي لا أسمع صوتك مجددا

بعدها لم تعد أمه تكلم أحدا في الهاتف وكانت تعود ليلا بوجه مليء بالأصباغ و يدين مثقلتين بالحلوى و بقايا أكلات السمك فتغني بصوت حزين : من ثاق في الدنيا أحمق,,,,,, ومن تبع الحرام يغرق.

وكان ينام في حضنها سعيدا و يعرف أنها لا تنام.

حتى تلك الليلة التي لم تأخذه فيها بين ذراعيها، بل تسللت إلى الهاتف بعد أن غمرته باللعب في أحد أركان الغرفة لإلهائه لكنه تبعها إلى حيث تهاتف شخصا ما

و سمعها مرة أخرى تصيح بصوت تجهد لتجعله خافتا :لا يمكن أن أجهض، كفى، ماذا سنخبر الله غدا، إنني سأصاب بسرطان الرحم، اسمع، لن أجهض، أراك عند الطبيب، أكاد أموت من الوجع.

و خرجت أمه في الصباح الباكر كان وجهها هذه المرة بلا أصباغ، أصفر متعبا، قبلته و احتضنته بقوة وهي تهمس له :سامحني.

ثم خرجت ولم تعد مساء. سمع جارة أمه توشوش للجارة الأخرى وهو وراء الباب :لقد تبعت الحرام حتى ماتت به، هرب و تركها في المستشفى لوحدها مع الحرام، و تركت وراءها أبناء الحرام…

قالت الجارة الأخرى : مسكينة، رحمها الله و تجاوز عنها. لم يواصل صالح الاستماع فقد صعقت الكلمات الأولى عن موت أمه قلبه فركن إلى الشارع حافيا, شارع مكتظ بالنساء إلا أمه, يمد يديه للناس ويأكل سقط الطعام و ينام على الدكة الحجرية وهو يحلم…

يحلم مرات كثيرة بأنه أخ سليم و سليمة وأنه يفضح سليمة المكارة ويكشف ألاعيبها الخفية فيعطيه سليم البسكويتة فيأكلها بنهم.

ميام…. ميام…. ميام… ويحلم بماما وقد عادت من المستشفى… لكنها لم تعد حتى الآن….

 





السابق
وصية فأر
التالي
السكري انواعه وكيفية الوقاية منه

اترك تعليقاً