الادب و القصة والشعر

بكيت .. فبكت أمي

بكيت .. فبكت أمي

 

فتح كامل زوج عمتي فيروز الراديو الخاص به يستمع والرجال أخبار الغارة الإسرائيلية التي استهدفت حي البراد القريب من حي ست نفيسه، وقد سقطت بناية على الأرض من هول القصف، وقد سمعت الرجال وهم يهمسون بأنهم عرفوا أفراد العائلات الذين استشهدوا في البناية، وبعد قليل قمنا من أماكننا مودعين عمتي فيروز وزوجها وبناتهما، وبعدئذ خرجنا من ملجا فيروز رغم إلحاح كل المتواجدين بالبقاء معهم… وفي الخارج تنفسنا الهواء النقي الطلق وسط رابعة النهار التي تغمرنا بضياها بعد ثلاثة أيام بلياليها في قبو الملجأ المظلم، ويا ليتنا لم نخرج منه أصلاً، فبرغم تركنا لهذا الملجأ الذي كاد أن يُدمر بقصف الطائرات الإسرائيلية، فقد شعرنا ونحن في طريقنا إلى شرق صيدا القديمة، بأن شبح الموت لا يزال يحيط بنا، ولا نعلم من أين تأتي الضربة الغادرة، من السماء، أم من قذيفة أرض . وفي الطريق ونحن نسير في إعياء وحذر، رأينا البيوت المهدمة وزجاج الشرفات المهشمة يفرش الطرقات، وكم كان مؤلماً تلك الوجوه الإنسانية المذعورة خاصة وجه أمي وأبي وعمتي فريال وإخوتي وأخي، ولم لا وانفجار القذائف على البُعد لم يتوقف لحظة  ونحن نتفادى ركام البيوت في الزواريب، شابكة يدي بيد أمي، وأنا أبكي في صمت ومتسائلة بيني وبين نفسي “يا ترى شو حتنتهي الطريق، لمكان آمن أم نموت وينتهي خبرنا؟.”.

كنت طفله مذعورة دوماً وباكية، بل وناقمة على من أشعل الحرب التي قادتنا إلى هذا المصير وأبعدتني عن بستان بيتنا وزهور وورود سطحنا ولهوي مع رفقاتي، فشعرت بأني في عمر عمتي فريال الذي يقترب من الأربعين ولست مجرد طفلة صغيرة لا يتجاوز عمرها إحدى عشرة سنه وشهرين.

كان الطريق طويلاً ومتعرجاً وبه أرتال من ركام البيوت المهدمة، وجبال من القمامة كريهة الرائحة، فأدوس على كل شئ مُرغمة وأنا أسير مع أهلى في استعجال وخوف من قصف يقتلنا، وأثناء سيرنا شاهدنا عربة عم ربيع المسيحي القاطن بحينا وهى شبه محترقة. أما هو فكان ميتاً بداخلها هو وزوجته وابنتيه رولا ولميس. كان المشهد مرعباً وسط الهلاك وجموع الناس. مشهد ألجم لساني وحجر الدموع بعيني، فلم أنطق بحرف، حتى أني وضعت يدي على عيني، ولكني بكيت بعدها كثيراً، فهدأتني أمي رابتتة كتفي وهاتفة “رولا ولميس في الجنه يا حبيبتي بيلعبوا وسط الزهور والورود مع الملايكه وبياكلوا شكولا وبمبون.”. فهدأت قليلاً ولكني صرخت في وجه أمي “اليهود كلاب، قتلوا رفيقاتي.”. فبكت أمي.

(من روايتي القادمة – هبة الله)



السابق
الصحف الورقية …. طباعة … أتلفها الهوى ..!!
التالي
التنمية البشرية

اترك تعليقاً