اختارنا لك

بحثا عن أصول الإبداع الإنساني

بحثا عن أصول الإبداع الإنساني

قبل 76 ألف عام في أحد كهوف بيانكل بوينت في جنوب إفريقيا تناول أحد أسلافنا من الإنسان العاقل وجبة محار مطهو شهية هنا!

كان ذلك أقدم الأدلة على اعتماد البشر غذائيا على البحر. إن توسع النظام الغذائي بعيدا عن اللحوم أتاح لهم اكتساب مجالات إبداعية لم يعرفها بقية الأسلاف. كانوا يذهبون لجمع المحار في أوقات مناسبة للمد والجزر وأفضل الأوقات لذلك حين يكون الجزر على أشده وكي تتنبأ بهذا من المفيد أن تفهم دورات القمر.

أينما حلت جماعات الانسان العاقل عكست طريقة عيشهم تعقيدا إدراكيا، يبدو الأمر وكأن تفجرا إبداعيا جاء من العدم! لكن الأمر ليس كذلك. فالطبيعة تطور مخلوقاتها بناء على التجارب فتدعم بقاء السمة المفيدة للنوع وهذا ما نسميه بالتطور التراكمي. وإن في تلك الكلمات البسيطة إجابات لأعقد التساؤلات التي تطرح: ما الذي جعلنا كذلك؟ لا يجب أن تقتصر الإجابة على السجل الأثري أو الجيني على حدى، إنما الاجتهاد لتقديم إجابة تكاملية.

لنعد في الزمن 200 ألف عام إلى إفريقيا. هناك ظهرت طلائع الإنسان العاقل الأول والذي أعطى بدوره الإنسان الحديث بتكنلوجيا حجرية بسيطة. الأدلة الجيولوجية تشير لحدوث ثوران مناخي. دخلنا أحد أطول وأبرد الفترات الجليدية المسجلة. هبطت صفائح جليدية عملاقة، وفي إفريقيا حولت موجات الجفاف المفرط أغلب مناطق القارة إلى صحراء. البيانات تشير أنه قبل 140 ألف عام لم تعد الغابات الاستوائية بإفريقيا صالحة للسكن ما أجبر أسلافنا على البحث عن ملاجئ في السواحل والهضاب. أحدها الساحل الجنوب إفريقي. هناك حيث تناول أحد أسلافنا محارا وصنع أقدم الثقافات الرمزية. لقد صنعوا أدواتهم من الصخر الكوارتزي الخشن قبل 70 ألف عام. أبدعوا شفرات طويلة رقيقة حيث كانوا يسخنون المادة بالنار قبل تقشيرها. تقانات للنحت والحفر، التقشيط والطرق سمحت لهم باستغلال أكبر للبيئة. صنعت تلك الأدوات أكثر تعقيدا مما تتطلبه الحاجة ما يعني أنها تظهر تمثيلا رمزيا معينا، إنها وسائل لحمل معلومات اجتماعية عن مالكيها، نوع جديد من الإدراك الرمزي قيد النشوء. وفي كهف بلومبوس عثر على أبكر الأدلة على فن تزييني مصنوع من المغرة الحمراء (أوكسيد الحديديك المائي)، عبارة عن رسم جداري عمره 70-75 ألف عام يصور خطوطا متقاطعة ومنظمة. وكذلك وجدت أصداف بحرية مثقوبة اعتقد أنها قلادات. كانت تلك الدلائل الأولى على إمكانية البشر حفظ المعلومات خارج العقل البشري.

وصلت موجات الانسان العاقل ببطء إلى أوروبا قبل 40 ألف عام، وكان الشرق الأوسط معبرا لتلك الموجات وفيه استقرت جماعات عديدة قبل مئة ألف سنة. ربما قابلوا الانسان المنتصب القامة في آسيا. لكن هناك مقابلات نحن أكثر يقينا بحدوثها. فقبل 60 ألف عام هاجرت جماعات من النياندرتال إلى المشرق القديم نتيجة الظروف المناخية القاسية في أوروبا، وهناك تعاصر مع الإنسان العاقل القادم من إفريقيا. كيف بدت تلك المواجهات؟

هناك دلائل على مواجهات ذات طابع غير ودي في أحيان كثيرة. أحد النياندرتال الذين دفنوا في كهف شاندر قضى بضربة سهم استخدمه الانسان العاقل. من المدهش أن 1-4% من جينوم المعاصرين، عدا الأفارقة، جاء من الإنسان البدائي نياندرتال ما يعني حدوث تناسل بين أوائل الإنسان العاقل وذلك البدائي، بغض النظر عن تأثير تلك الجينات على التعبير الوراثي لدينا. وتؤكد الهياكل التي عثر عليها في مواقع متفرقة من لاجار فيلهو ورومانيا والسخول وغيرها حدوث التزاوج بين النوعين إذ حملت سمات تشريحية مختلطة بينهما.

يبدو أن الانسان العاقل لم يزدهر حضاريا‎ ‎في المشرق القديم, كما حصل في أوروبا بعد أن عاصروا النياندرتاليين لعشرة آلاف عام قبل أن يحلوا مكانهم في النهاية. وقد أنتج النياندرتال حضارة واحدة هي الموسيتيرية، بينما ابتكر الإنسان العاقل عدة حضارات: الشاتلبيرونية، الأورينياسية، الغرافيتية، السولترية والمجدلانية. وتفنن في التعبير ومحاكاة الواقع الذي كان يعيشه.‏‎

إن هذا يحيلنا إلى عدة تساؤلات: ما الذي ميزنا بحق عن أسلافنا؟ ما هو أصل الذكاء؟ ما الذي جعلنا على ما نحن عليه وفجر قدراتنا الإبداعية؟

لابد أن الإجابة تعبر عن ذاتها في عدة عوامل معقدة، ما يحفز على تضافر الجهود في مختلف الميادين العلمية الأركيولوجية والجينية والأنثروبولوجية.

قبل ذلك يجب علينا معرفة ما يميزنا كبشر في المملكة الحيوانية. وأحد العلماء المولعين بذلك هي الدكتورة كاثرين بولارد. انضمت كاثرين إلى فريق دولي لتحديد سلسلة قواعد ‏DNA‏ في جينوم الشمبانزي. كان واضحا لهم أن 15 مليون فقط من الأزواج القاعدية التي تشكل جينومنا من 3 مليار زوج قاعدي، تفصلنا عن الشمبانزي. عزمت كاثرين على عزل تلك الجينات. إن 15 مليون زوج قاعدي ما زالت رقما ضخما لتحليله.

جاءت نتائج دراستها: هناك 201 منطقة في جينومنا تظهر تغيرات متسارعة لكن المنطقة الأولى في قائمتها هي التي أثارت اهتمامها.

أحد الجينات هو ‏Hari‏ والدور الذي لعبه في التحكم بالوضع العام للقشرة المخية وتجعدها بالتالي زيادة مساحتها السطحية، أي قدرتها الحاسوبية. يسبب عطب هذا الجين اضطرابات عدة منها الفصام.

الجين ‏Har2‏ الذي يمنح أصابعنا مرونة للتعامل مع الأدوات الدقيقة.

الجين الآخر هو ‏Aspm‏ يعتقد أنه مسؤول عن النمو السريع جدا لقدرتنا العقلية.

أما الجين ‏Foxp2‏ الذي خلق إثارة عارمة حين اكتشف لأول مرة فيعتقد أنه يرتبط وثيقا بالمهارات الحركية الأساسية للتخاطب وبعض المناطق الدماغية المسؤولة عن النطق، وأعضاء أخرى كالرئتين مثلا. وقد سمي “الجين اللغوي”.

للاستزادة حول هذا الجين انظر: https://en.m.wikipedia.org/wiki/FOXP2

أمكن لوضع الخارطة الجينية لنياندرتال عام 2013 على يد سفانتي بابو مقارنة هذه النسخة من الجين لدينا مع نسخة أبناء عمومتنا.

تمتلك كثير من الحيوانات هذا الجين، لكن نسخة الإنسان فريدة من نوعها. وبعد المقارنة تبين للعلماء أن النياندرتال يمتلك نسخة مطابقة مع النسخة البشرية، وهذا دليل مؤثر على أن النياندرتال كانوا قادرين على الكلام. وما يثبت ذلك وضوح منطقة بروكا في قوالب الأدمغة النياندرتالية وامتلاكهم العظم اللامي..

امتلك النياندرتال هكذا قدرات على ما يبدو، لكن الدراسات أظهرت أنه غير قادر على إعادة بناء الأفكار، وبدا كأنه غير قادر على مجموعة كاملة من الأصوات ما يعني أن لغته مقيدة في مداها الرمزي.

تمنح اللغة للبشر العديد من الميزات المكتسبة بما فيها تبادل المعلومات والخبرات ومفاهيم فلسفية وفنية معقدة، وتضمن استمرارية الثقافة، والأهم من كل ذلك التخطيط المستقبلي و سرد الماضي، وإن تمثيل الزمن هو الطابع المشترك بين جميع نظريات تطور الذكاء الإنساني. وعلى أية حال فإن ابتكار اللغة كان منعطفا حادا في تطور الإنسان، ومنها وجدت الثقافة التي اعتمدت في بداياتها على سرد القصص. أعتقد أن كل ذلك بدأ قبل مليوني سنة مع أسلافنا صانعي الأدوات: الإنسان الصانع.

إن تعريفا أنثروبولوجيا يرى أن الإنسان هو قدرته على الاستفادة من تراكم الخبرات المنقولة عبر الأجيال أي الوراثة غير الجينية، الطبع عبر التطبع.

إن فارقا آخر ميزنا عن إنسان نياندرتال وهو الطفولة المديدة التي تمنحنا باحة أوسع للتعلم والنمو الفكري.

عموما دخلت البشرية عصرا جديدا مع قدوم الباليوليت الأعلى فاختفى النياندرتال وظهر أجدادنا المباشرين ليعمروا جميع القارات، ويعبروا من خلال الرسوم الفنية على الجدران والتمثيلات الطينية في كهوفهم عن تفجر مذهل في القدرات الإبداعية، وينسجون أول الأساطير الدينية التي تفصح عنها عقائد الدفن الجنائزية وممارسات السحر والأضاحي.. كل ذلك مهد الطريق لولادة عبادة أقدم إلهة معروفة والتي تسمى: الربة الأم.

بتتبع آثارهم بإمكاننا رسم صورة عامة عما كانت عليه حياتهم.. وبتضافر الجهود المشتركة سنحل في النهاية جميع الألغاز التي تكتنف تفوقنا وذكائنا الإنساني.



السابق
الذئب المفترس ودهاء النعجة
التالي
الفلسفة المالية

اترك تعليقاً