اختارنا لك

الأوكسجين: “الروح” التي أطلقتها الحياة وساهمت في صياغة مسلك تطوري جديد.

الأوكسجين

قبل ملياري سنة بدأ حوار جديد بين الحياة والطبيعة الأرضية. كانت الحياة قد نشأت في جو جهنمي تسوده الأشعة الفوق بنفسجية وأنواع أخرى من الطاقة التي تعمل تأثيراتها في المحيطات الأولى، التي تشكلت فيها الجزيئات المعقدة ثم الأعقد، وصولا للمركبات البيولوجية المتضاعفة. ثم بدأ تركيز هذه المركبات بالانحسار مع ظهور الخلايا الحية التي باشرت بالتهامها. لكن عدد “الضحايا” كان أكبر من كمية المركبات المتشكلة الجديدة فكانت النتيجة المتوقعة هي المجاعة. كان على الخلايا إيجاد حلول مبتكرة لتجاوز الأزمة، وقد كان لها هذا بظهور نمط آخر من الخلايا، آكلات الضوء؛ إنها الخلايا التي تحتوي مادة البورفيرين الذي يمكنها من القيام بعملية التركيب الضوئي. خلقت هذه الكائنات نوعا من التوازن أمن فرص البقاء للخلايا التي لا زالت تعتمد في غذائها على المواد العضوية، حيث كان عليها تغيير نظامها الغذائي والتحول لالتهام الخلايا الحية الأخرى.

ولأن التاريخ الطبيعي مليء بمظاهر الاستقرار الخادعة والتي تتشكل في إطارها أزمات جديدة، كانت هذه إحداها. فالخلايا التي تقوم بعملية التركيب الضوئي هيأت المسرح لبزوغ تغيرات خطيرة: لقد غيرت الغلاف الجوي وبدأ الأوكسجين يتجمع في الغلاف الجوي تدريجيا ولأول مرة في تاريخ الأرض.

كان الغاز قاتلا، ماتت كثير من أشكال الحياة حينها مختنقة فيه. بدا الأمر وكأن روحا كثيفة غمرت كوكبنا بغمامات من الغاز القاتل.

في ذلك الحين كانت الحياة تنتظر ولادة كائنات جديدة لإنقاذ الخبرات، التي راكمتها على مدى ملايين السنين، من هذا المأزق الخطر.

ومرة أخرى ظهر طراز شجاع من الخلايا، ألا وهو البكتيريات التي تمكنت من حماية نفسها باستخدام أنزيمات لم تكن معروفة.

وكما جرت العادة، لم تكتف الثورة بدرء الخطر فحسب. مثل الخطر تحديا صارخا شحذ خيال التطور. تكاثرت الخلايا “الثائرة” بكثرة على حساب الخلايا الرجعية.

خلال زمن قياسي سيطرت الخلايا المتنفسة للأكسجين على ساحة الأحداث.

كان الاكتشاف الأول الذي حققته الخلايا البورفيرنية يتعلق بالاستفادة من الشمس كمصدر طاقة. الاكتشاف الذي حققته البكتريا المتنفسة هو تفكيك وتحويل جزيئات الغذاء (والنفايات المتخمرة) إلى طاقة.

هكذا خلقت الحياة تحديا خطيرا عبر الاستقرار الظاهري الخادع، شحذ كامل إمكانياتها واستغلالها للفرص، ما مهد لمسلك فريد غير الحياة إلى الأبد، ولم نكن لنوجد من دونه.



السابق
شتلة الورد في حضن صالح
التالي
كيفيه علاج اثر حب الشباب

اترك تعليقاً