الادب و القصة والشعر

أنا وصبية الوادي

أنا وصبية الوادي

 

 

 

 أعود من أجازتي الأولى .. ولكن ..  لا يزال المكان يُجسد رعباً .. يُخفى أكثر مما يُبين .

.. أصحو من نومى .. الفطور كالعادة مكون من الجبن الأبيض ومربة البرتقال والخبز الطري .. والختام بالشاى المغلي على جمر المنقد .. فى إثره .. يفتح كبير المراقبين كراسة تسجيل مصروفات النقطة .. يسجل بصفحتى أثمان ما أحضرته معى من مشتروات .

.. نذهب الى الحمام تباعاً .. نتوضأ .. نُصلى الظهر جماعة .. الصلاة هنا – فى الغالب – ترتبط بأحوال الطقس .. بوفرة المياة .. بالأمزجة أحياناً .. الجو على التبة كثيف البرودة .. عواصف رملية تدفعنا للعودة الى الداخل .. أسارع بإغلاق نوافذ المبيت ..  أُشعل فتيل اللمبة الجاز .. أنهمك بمساعدة الزملاء فى تركيب سِّلك المنخل – الذي إحضرته معي .- على كل النوافذ من الداخل .. إتقاءاً من أي زائر بغيض .. وتطبيقاً لنظريتى في إبداع مكاني !.

.. تخف الريح فى الخارج .. نعاود فتح النوافذ وإطفاء اللمبة الجاز .. أذهب الى المطبخ لتجهيز وجبة الغداء .. رائحة مُنتصف النهار تقترب .. نتناول الغداء .. أذهب الى الحمام .. أقتل في طريقي العديد من العقارب مُتعددة الألوان .. أعود على مهل .. أتملى من مشهد الوادى  .. التبات الخلفية  .. عُش العصافير الجديد .. بدلاً من العش الذى دمره بالأمس القريب ( الهدهد) صديق سيدنا سليمان ! .. أخشى ملاقاة أحد أشباح بصيص الضوء الأول ! .

.. أخذ قسط من النوم ..

.. الآن روائح الليل تتسلل من نافذتى البيت .. بقايا النهار الشتوى تتناثر فى الأرجاء .. نمارس طقوس تناول العشاء ثم نذهب إلى إغفائنا الذئبي .

.. أصحو في اليوم التالي على شتاء يُكثف البرد .. أقف وحيداً فى مواجهة وادى الجماجم .. أخشى الذهاب الى الحمام فى هذا الوقت المُبكر .. أبول قبالة السلك الشائك المُوازى للجانب الأيسر للتبة .

.. أعود أدراجى الى الداخل .. لم تبرد بعد تجربة لقاء قطة التبة وإختفاءها الغامض .

.. فى غرفتى أدير مؤشر الراديو على محطة صوت العرب .. الصوت خافت مشوش .. تقترب الساعة من السادسة والنصف .. أنباء عن مناورات عسكرية سوف تجريها مصر .. لم يبين النبأ موقع تلك المناورات .. يتتالىَ ورود انباء النشرة الإخبارية .. ثم أقوال الصحف .. ألتحف من جديد بفرشتى الخشنة .. أفكر : ( نقطه مُراقبه ، لابد وأن يوجد بها منظار مُقرب ) .. باق عدة دقائق على إعطاء تمام السابعة .. أنهض من جحري .. أتجه بتؤدة ناسك الى غرفة الإشارة .. أطرق بابها برفق .. يأتينى الصوت المعدنى :

    – من ؟

    – صباح الخير .

    – صباح النور .

    – خذ تمام السابعه .

.. بتثاؤب :

    – أدخل وخذه ، الباب مفتوح .

.. أدلف الى داخل الغرفة شبه المُظلمة .. أراعى الإنحناءة المعهودة .. أجلس على حافة السرير فى مواجهة الطاولة الخشبية .. يُفسح راعي الإشارة لجلوسى .. أدير مفتاح تشغيل جهاز اللاسلكى .. أعطى التمام للكتيبة بصعوبة  .. التشويش والصفير يغطيان .. أسأل :

    – هل توجد نظارة مقربة ؟

.. ببطء :

    – مع كبير المُراقبين ، لكن ماذا ستفعل بها ؟ إن كان هدفك البحث عن إمرأة ما بالوادي ، فأرح نفسك ، لن تـرى منها غير سواد فى سواد .

.. أترك راعي الإشارة نهبا لفضوله وكي يستكمل نومه .. أدلف الى المبيت .. أطفىء فتيل اللمبة الجاز .. أفتح درفة النافذة قليلاً .. يتسلل بصيص الضوء الخافت .. يتسرب الى رئتى هواء مُنعش بارد .. مُعطراً برائحة عُشب ( الشيح ) الذي أحضرته معي لطرد – كما يزعم والدى – الثعابين والحيات من جنبات النقطة .

.. أروح فى إغفاءة قصيرة تحت فرشتى .. أتململ على وقع تزييق باب المبيت  .. أبصر كبير المراقبين يغادر .. ألقى عليه تحية الصباح .. أعاجله :

    – إلى أين العزم إن شاء الله ؟

    – إلى  الحمام .

.. أنتظره جلوساً فوق حافة سريرى  .. ربع الساعة ويأت على مهل .. أسأله عن النظارة المُقربة .. يحضرها بهدوء .. ينصرف إلى قرشته وهو يوحوح من شدة البرد .. فضولي يدفعني بالمنظار المُقرب الى صدر التبة .. الطقس بارد غائم ولكن مُحتمل .. أدير بكرتىّ ضبط الرؤية .. أرى بوضوح .. أتوقف عند الخيام البيضاء المصفرة بصفرة الكفن  .. فتاة بدوية تغطى وجهها .. تشق جدار الخيمة  .. تتجه الى قطيع من الماعز والخرفان .. تحيط خصرها النحيل بحزام أحمر قاني .. يتدلى على جانبه الأيسر .. جراب بذات لون الحزام .. ردائها الأسود طويل يمتد حتى كعبيها .. تمسك فى كف ذراعها الأيمن بعصاة طويلة .. نحيلة .. داكنة .. تسير كالغزلان .. تسوق أمامها قطيع الماعز والخرفان .. تختفى هى والقطيع بين كثبان الرمال والشجيرات القزمية والصخور والتبات قليلة الإرتفاع .. أدور بالمنظار .. أبصر بين خيمتين فتاة نحيفة العنق .. مجدولة الضفيرة .. تجرى .. تنبش بيديها الصغيرتين الرمال .. جلبابها قديم مُتسخ.. مطبوع بورود حمراء وزرقاء باهتة .. حول معصمها غويشة صفراء وحمراء وخضراء .. يجىء هواء يُرعش أطراف ثوبها .. يكشف عن ساقيها العاريتين النحيلتين .. أسند أكثر منظار الميدان الزيتى اللون الى عيناى المدهوشتان .. تمتلىء العدستان بملامح الفتاة .. فى عينيها بريق طفولة .. تنبش بيديها أكوام الرمل .. تبعث فى نفسى أياماً نائية .. تفتح الآن فمها الصغير .. ربما تصيح .. تنطق كلمة واحدة أو ألاف الكلمات .. أتخيلها تروى بعينيها ما جرىَ في سيناء لحظة بلحظة .. ومنذ بدء الخليقة .. تعرف كل ما تمناه كل حي عاش هنا .. وقعت عيناه على نفس الأرض .. عاين الحياة .. الموت .. الحرب .. السلام المزعوم .. هجرة القوم الى البعيد .. أتخيل صاحبتى الصغيرة السمراء وهي تنادى الآن كل حي بإسمه .. حتى الطيور .. النباتات .. الصخور .. كثبان الرمل ..  من ابوكى يا بُنية ؟ .. لابد أنه يستمد خبزه اليومى من وقع أنفاسك .. على ساعديه إذ يحتويك .. همسك عندما تطلبين جرعة ماء .

.. رنين أغنية من غرفة الإشارة متقطع الأنفاس .. أركز مع الفتاة الجميلة .. أتملى من ملامحها العذبة .. تمعن النظر الى الرمال .. ربما تهمس لها حبات الرمل بما لا أدركه .. تنقل بصرها بين فينة وأخرى تجاهى .. ربما تعرف بوجودى هنا .. أفكر : ( من أين لها القدرة على تحمل مكاره الحياة فى هذا الخليط من برد .. وجفاف .. وزواحف .. ووحوش .. وحشرات .. والليل وزحفه الجنائزى كل مساء ؟.

.. تميل الصبية برأسها الصغير .. طرف إصبعها بين شفتيها .. إنه خجل العمر الأول ولا ريب.. صورتها تُغِيرعلى صباح هادىء بارد .. تحوم فوق أجواء النقطة .. أدور بالمنظار بين الخيام وكثبان الرمال .. أعود .. تختفى الصغيرة .. تحل محلها عصفورة صغيرة ضئيلة .. لونها اسود .. منقارها الصغير لونه أبيض .. أيضا ذيلها .. خطوها وثبات رشيقة .. كوثب راقصات الباليه فى عرض ( بحيرة البجع ) .. عصفورة غريبة ربما لا يوجد فى مصر كلها الآن إلا هذه .. ربما جاءت أول شهور الشتاء من أخر الدنيا حيث الشتاء لا يُحتمل فى أطراف العالم .. هل يا ترى بقيت وحيدة بعد عودة أصحابها ؟.. من المُحتمل أن علم دراسة الطيور يطلق عليها إسماً ما .. لابد أنها تنتمى إلى نوع ما .. لها تاريخ .. تُرى فى أى بلد عاشت ؟ .. أي خصائص تميزها ؟ .. كم عمرها ؟ .. متى تدركها الشيخوخة ؟ .. كيف تموت موتا طبيعيا .. إذا لم تصبها رصاصة صياد ؟ .. سوادها هل يعرف المشيب ؟ .. عيناها الصغيرتان اللتين ترىَ الدنيا من خلالهما .. هل ينعكس فيهما حليب ثلوج برد الشمال ؟ .. هل عبرت بحاراً عريضة ؟ .. مشت فوق بيوت عامرة بالحدائق الصغيرة الغناء ؟.. طارت فوق مراكب صيد سردين بيضاء ؟.. مُدن عائمة ؟ .. ناطحات سحاب .. هل آتىّ ِالآن ببندقيتى أكسر ساقها بطلقة واحدة .. بإعتبارى من جنس الهداهيد أو البشر .. كى أخذها أسيرة ؟..

.. فجأة تحُطُ العصفورة على حافة خيمة .. لحظة مقدارها غمضة عين .. تطير .. تضيع تماماً .. منقارها إلتقط غذاءه من دمى وولىَ الأدبار .. ربما وقعت فى فخ من فخاخ الصيادين  .. أطلق عليها النار .. إغتالتها أيام البرد التى فشلت فى الهرب منها .. أنتبه .. هل طاش عقلى ؟ .. هل أنا فى الحلم .. فى الكابوس ؟.. لا أدرى .. أنزل المنظار عن عيناى .. أجوب ببصرى أرجاء التبة .. أتأكد من خلوها من أى زائر بغيض أو غريب .. أدور ببطء فى إتجاه الدكة الخشبية .. أعود أدراجى الى داخل غرفتى .. أغمض عيناي قليلاً تحت فرشتى .. أفتحهما .. أغلقهما .. صورة الفتاة الصغيرة فى المنظار تعيدنى الى زمن سحيق .. زمن هجرتنا القسرية الى قريتنا الدلتية الشمالية فى الأيام التى تلت الخامس من يونيه الحزين .. أمسك بطرف جلباب أمى الناعم الأسود .. ماضين الى السوق .. وابور الطحين .. طلمبة المياة .. ودائماً – حتى فى ( الجبانة ) – كنت أرى ( برديس ) تجىء حتى الى دارنا .. تدقُ مزلاج الباب العريض الخشبي .. تعطيها أمى رغيف قمح .. تردها عنا . تقول أمى ( إنها بنت ضائعة لا أب ولا أم لها ) ..  لكننى وقتها.. تمنيت لو تزوجت البرديس عندما أكبر .. من أجلها سرقت حبات الطماطم والفطير والخبز من مشنتنا.. كيزان الذرة من صومعتنا .. أخر مرة رأيتها – وأنا أختلى بها وقت القيلولة – بين عيدان الذرة فى حقل جدى لأمى .. كنت قد كبرت أكثر .. ولَّت البدايات البسيطة منذ زمن .. وعندما تفتح جسدى على يديها .. قادتنى الى أفاق وردية تشبه الحلم اللذيذ .. أفقت منه على شهقة أمى وعلقة ساخنة من يدها .. وفي التو .. تلم برديس جلبابها .. تطلق العنان فى المجرى المائى الضيق الجاف .. تشيعها أمى – وسط الخلاء القاهر – بأقسى الشتائم واللعنات .. وكان هذا الموقف .. هو سبب قرار العودة من حيث أتينا .. وفى العربة التى أقلتنا ( بعفشنا ) إلى مدينة الأسياد  .. ألمح برديس – بضفيرتها – فوق الجسر الذى نعبُره .. بالقرب من تكعيبة البوص .. وعيدان الذرة الجافة .. واقفة بعودها الفارع النحيل وصدرها النافر المكور ..  تهمس أمى ( أستر يارب طريقنا .. أخر ما نراه من الكفر ، الملعونه برديس ؟ ) .

.. دوماً فى طوافى كنت أمنى النفس برؤية برديس من جديد .. بقريتنا التى هجرتها .. أو بمنحنى حارة فى المدينة .. بمدخل أو مخرج  قبو .. تنزل من عربة .. فى البداية عندما قالت أمى أنها بلا أب أو أم .. رحت أفكر : ( كيف يعيش إنسان بلا أب أو أم ؟ وهل يوجد فى الدنيا هذا الأمر الغريب ؟).

.. الآن أوقن بأن بنت الوادى تختلف عنك يا برديس .. هى بنت بالتأكيد لها أب ولها أم .. لذا لن تظل على حالها البائس كما ظللت أنت .. وفى النهاية سوف تشيخ على الأقل بالنسبة لى .. أما أنت فلا .. ستظلين دوماً فى ذاكرتى بمثل عمرى وعمرك الأول .. نلهو معاً في حقل الذرة . ولا نكبر أبداً .

.. حكى لى جدى لأمى ذات يوم عن قوم رُحَلْ يشبهون قوم الوادى .. وقد يكونوا هم في الأصل .. كانوا يحلون بالقرب من قريتنا فى الزمن الغابر .. وقت أن كان صبياً .. يرتع مع رفاقه وسط الحقول والبساتين المُحيطة بدور القرية الطينية .. وفى صباح يوم بارد مُشمس – كيومنا هذا – يستيقظ أهل الكفر على جلبَة صادرة من جانب القرية الحالم الحانى .. فكان ذلك إيذانا بحلول هؤلاء القوم .. حيث يقومون بنصب خيامهم فى ساحة جُرن القرية الواسع .. يرقبهم جدى الصبى ورفاقه وهم يجلسون القرفصاء .. يندهشون من حركات هؤلاء القوم الذين سمعوا عنهم الكثير من اهل القرية وينتظرون مقدمهم منذ سنوات .. إذ أن أخر زيارة لهم كانت قبل ثلاث أو أربع سنوات .. لذا لم يكن أحد من الصبية يعلم شيئاً عن تلك الزيارة .. لكن أهل القرية كانوا يروون لهم الأقاصيص عنهم .. وينسجون حكايات مشوقة عن اسلوب حياتهم المُختلف .. والمتمثل فى تنقلهم الدءوب وعدم إستقرارهم .. وسبل كسب رزقهم .. مما أثرىََ لديهم الخيال .. وجعل صوراً عديدة ومُختلفة تمور .. وتدور .. وتتكون .. وتتلون .. وتتشكل فى أذهانهم المتعطشة لمثل تلك الحكايات .. وكانوا يقولون لهم : ( إن هؤلاء القوم يأتون الى القرية فيقيمون بها يومين أو ثلاثة ثم لا يلبثون إلا مُغادرتها والإنتقال عنها الى بقعة أخرى ) .. وكانوا يطلقون عنان أخيلتهم العفوية الصافية لتمتزج فيها دروب شتىََ من المقارنة بين حِلِهم المدهش وترحالهم السريع .. فيربطون ذلك بإقامة عصافير الصيف القصيرة ورحيلها المفاجىء عند إنقضاء الموسم .. كما كانوا يخبروهم بأن هؤلاء القوم مع أنهم يُقيمون فترة قصيرة فى المكان الواحد  .. فإنهم يقومون بأعمال شتى ومتنوعة .. من سَن للسكاكين .. والمقصات .. وأدوات الفلاحة المُستعملة .. وصنع الجديد منها.. وأنهم يقومون بحِجَامة أهل الكفر .. بإخراج الدماء الفاسدة من رءوسهم .. بقصد كسبهم مزيدا من الصحة والنشاط .. وإنطلاقاً من أن أخر العلاج ( الكَي ) .. فإنهم خبيرون بكي المرضىَ بأسياخ حديدية بعد وضعها فى النار .. وأنهم عارفون أيضاً بختانة الأطفال .. كما أنهم يتنبأون بما سيئول إليه حال الناس .. خيراً كان أم شراً .. وذلك من خلال قراءة راحات أياديهم وقراءة الفنجان والطالع وضرب الودع والتنجيم .. بل إن لديهم مساحيق سحرية لتنشيط إنجاب الأولاد .. خاصة الذكور منهم .. كل هذا جعلهم يتطلعون الى هؤلاء القوم .. كأنهم أتون من كوكب آخر .. يتعدى الجانب الآخر من التهر .. أما الآن وهم يحتلون شجرة الجميز التى يلعبون تحتها فى الجُرن .. فقد أصبح وجودهم حقيقة .. حيث ينخرطون فى ضجة حَل أمتعنهم وإنزالها من على ظهور الحمير التى تشبع الجرن نهيقاً .. فيما تأخذ دجاجاتهم تقرقر فى أقفاصها المصنوعة من الجريد .. التى تم وضعها للتو على الأرض .. وأحد القوم يسرع لإلتقاط ثلاث أحجار كبيرة من الجرن .. وبعد أن يرسم مثلثاً فى ذهنه .. يضع كل حجر فى زاوية من زوايا المثلث الوهمى .. ثم يُشعل النار بينها .. وما إن يبدأ الدخان فى التصاعد حتى يبدأ فى إخراج الدجاجة تلو الأخرى من الأقفاص الخمسة وفى كل مرة يُخرج فيها دجاجة .. يمسك بها جيداً ويطوحها حول الموقد لثلاث مرات.. يرسم بها دوائر وهمية فى الهواء ثم يخلى سبيلها .. فتنطلق الدجاجات تعدو تحت الشجرة وحولها .. بعد أن كانت سجينة الأقفاص طيلة الرحلة .. والغريب – كما يذكر جدى.. أن الدجاجات لا تذهب أبعد من مركز المخيم .. فالقوم يؤمنون بأن ملامسة دخان الموقد للدجاج له تأثير سحرى عليها .. إذ يجعلها لا تبرح مكان إقامتهم .. وبالتالى يسهل عليهم الإمساك بها وجعلها فى الأقفاص من جديد عندما يزمعون الرحيل .. كانوا مندهشين جداً من تلك الحركات الدائرية .. وفى كل مرة يتم فيها إطلاق دجاجة يوزعون النظرات .. إما على بعضهم أو على ساحر الدجاج .. أو فى أغلب الوقت على الدجاجة الموهوبة الحرية حديثاً.. وبعد أن يفرغ الساحر من إخراج دجاجاته من أقفاصها الخمسة .. يرسل بصره نحوها متفقداً ومتأكداً من مدىَ ولائها وطاعتها لعمله السحرى .. فيجدها كلها تدور فى فلك طاعته.. إلا ديكاً واحداً يشذ عن القاعدة ويؤثر الذهاب نحو الحقول القريبة.. وهنا يستشيط الساحرغضبا ويهرع مسرعاً بعد أن يهيب بجدى ورفاقه المُبادرة بمساعدته لإلقاء القبض على هذا الديك المتمرد الخارج عن قانونه السحرى .. وهكذا ينطلقون راكضين معه وخلفهم القوم الأخرون محدثين ضجة غير معهودة .. ومع ذلك لا يفلحوا هُم والقوم فى الإمساك بالديك الهارب .. ثم يقفلوا عائدين الى الشجرة  .. يرقبون احد القوم وهو يضع قدراً كبيراً على الأحجار الثلاث .. يريد صنع الطعام .. وبعد قليل يسمعون غرغرة القِدر وصوت غليانه .. حيث يقوم إثنين من القوم بتثبيت (كير ) من الجلد .. ينفخان بواسطته النار التى يشتد أوارها .. فتحول الحديد الموضوع فيها الى قطعة من النار حمراء .. يطرقها أحدهم طرقاً شديداً .. يكاد يُسمع من مسافات بعيدة .. وجامع الأمر – كما يقول جدى – ان القوم فى ذلك اليوم يحدثون ضجة كبيرة يسمع بها القاصى والدانى من أهل القرية .. وقبيل أصيل ذلك اليوم .. يعود جدى الى الجرن قادماً من الجهة القبلية .. حيث يكون القوم قد إستكملوا نصب خيامهم ويجعلوا أبوابها مقابل الجهة الشمالية .. وفى ذلك الوقت كانت السماء قد تلبدت بالغيوم الكثيفة .. فيما تأخذ الريح تزمجر بشدة .. تكاد تقتلع الخيام الصغيرة وتطير بها .. وبينما يسير جدى بين الخيام .. يلمح فتاة باهرة الحسن .. تهم بالولوج الى إحدى الخيام .. فينتابه شعوراً غريباً.. وهو فى ذلك العمر المُبكر .. وكل ما يذكره أنه كان شعوراً بالشفقة البريئة على فتاة لم ير مثيلاً بعد فى حسنها .. ولو أنها كانت تكبره بعشرة سنوات على الأقل .. يقول لها :

    – أحسن لو تركت باب خيمتك قدام الناحيه القبلية ، من أجل ألا تدخل الريح بسهوله  .

 .. تجيب فى خبث .. لا يدرك معناه فى ذلك الوقت المُبكر من عمره :

    – لا ، فقد تأتيني من الناحية القبلية   ! .

.. فى صباح اليوم التالى .. يعود الى الجُرن .. حيث القوم يعقدون حلقة كبيرة مُستديرة .. رجالاً ونساءاً .. وتضم الحلقة بعض رجال القرية ونسائها ،..جاءوا للحِجامة .. وفى اليوم الثالث يجد القوم عاقدين صفقة لبيع وشراء ومبادلة الحمير بطريقة مثيرة للإعجاب .. مُحدثين أصواتاً مرتفعة وضحكات وقهقهات صاخبة .. وفى عصر ذلك اليوم يحين موعد الرحيل .. يقترب جدى من الفتاة الجميلة يودعها .. تظهر له ودا حميما لم تظهره له من قبل .. كأنها تعتذر له عن أمر بدر منها .. ومع ذلك لا يفهم من الأمر شيئاً .. وفيما أبوها يساعدها على إمتطاء دابتها .. تهمس له قائلة : ( أشوفك فى الشتا الجاى ) .. وفى اليوم التالى لرحيل القوم.. يعود جدى ورفاقه – كعادتهم – للعب مُجدداً تحت شجرة الجرن الكبيرة .. حيث المكان الخاوى الوديع كعهده .. لا أثر من القوم فيه .. إلا صياح ديك مُختال يحاول العودة الى قفصه بعد أن شبع من تنسم هواء الحرية .. وقد بقىَ جدى ورفاقه يترقبون عودة القوم الرُحَل عاماً كاملاً .. وفى صباح يوم شتائى كثيف البرد يعودون .. وكالعادة يهرع إليهم جدى ورفاقه .. فيجدوهم يصنعون ما صنعوه العام الفائت .. كل واحد يبدو كهده السابق إلا الفتاة .. التى تبدو فى هذا العام .. أكثر جمالاً وإشراقاً ورشاقة .. يكسبها الكحل جمالاً فوق جمالها الطبيعى .. إذ يجعل حدقتى عينيها أكثر إتساعاً وبريقاً .. ممعنة فى التزين بالحناء كأنها عروس أسطورة شرقية خرجت من ألف ليلة وليلة .. تلبس حلقاناً كبيرة وخلاخيل وجلاجل زاهية .. مما يُضفى عليها جمالاً أخاذاً .. ومع أن اهلها جعلوا خيامهم قبالة الجهة الشرقية كعادتهم .. فإنها جعلت باب خيمتها  – هذه المرة –  قبالة الجهة القبلية .. مُقتربة من جدى قائلة : ( لقد عملت بنصيحتك هذه المرة) .. ولكنه مع ذلك لا يفهم ولا يفطن لمعنىَ عبارتها الدفين .. لأنه لم يزل بعد صعيراً .. وفى يوم رحيلها تقول له : ( أشوفك السنه الجايه ) .. وجاء فى العام القادم والأعوام التى تليه أقوام اخرون ولكن الفتاة ليست من بينهم .. ثم ينقطع بعد ذلك أى قوم عن الحلول بالقرية .. ولم يعد لهم ذِكر .. ولا يعرف أحد أين هم حطوا وإلى أين رحلوا ؟ .. ولوكان جدى يعلم ذلك ،. لأسمع الفتاة فى رحيلها الأخير الأبدى بيتى شعر للمتنبى  :

 

        متعينا من حُسن وجهك مادام             فحسن الوجوه حال تحول

       وصلينا نصلك فى هذه الدنـيا             فإن المقام فيها قليـــل

.. والآن كلما أزور قريتى ، ،  .. أتحسر على ضياع القرية القديمة .. تحت وطأة الأموال الوافدة من بلاد النفط الواسعة .. وأنواء الخراب المستعجل الذي إقتلع جذورها وطمرها حية تحت تلال الرمال وأكداس الطوب والأسمنت .. وبخاصة ( الجرن الواسع ) الذى عاينتة فى سنوات عمرى البكر .. حيث حل محله الآن الدور الحديثة المبنية من الطوب الأحمر والأسمنت .. يشقه طريق أسمنتى كئيب .. أملت شقه مقتضيات الحياة الحديثة .. وعلى حساب الشجرة الوارفة الكبيرة .. التى كانت يوما مرتع لسنوات عهد صباي الأول مع برديس .. ولعهود سابقة وتالية .. أخرها عهد جيل يونيه الحزين .

 

 



السابق
القطْن يُحدث عن حياته وفائدته
التالي
القمح يُحدث عن نفسه

اترك تعليقاً