الادب و القصة والشعر

القمح يُحدث عن نفسه

القمح يُحدث عن نفسه

 

 

     يبذرنى الفلاح فى الشتاء، فلا أحتاج كثرة الماء؛ ولا أشُق عليه بتخطيط الأرض وعزقها، وتنقيتها مما فسد من النبات، كما يُعانى ذلك فى زرع القطن، وإنما أكتفى منه بحرثها بالمحراث، وتسويتها بالزحافة، وتحويضها بالفأس، فإذا أنبتتني الأرض وتَرعرعت، رأيت فى روعة الجمال باهرة، وعلامة الحسن ظاهرة، ومَتعت نفسك بزرع مكتنز، وسنبل ناضر يلعب به الهواء، كما يلعب بشعر الحسناء .. فما أجمل مزرعتى الوفراء، وقد كُسيت ببردة خضراء، وازدانت بكل زوج بهيج، فإذا نمت وكبرت وسُقيَت؛ ظهر سُنبلى، وقد لمع وانتصب كأنه أسنة الرماح، إو إبَر مرفوعة، فيغتبط الفلاح متى رآنى؛ فيحشنى بمحصدِه، ويقطعني بمنجله؛ ويجمعنى أكداساً، يرفعها على جمله؛ أو حماره؛ أو رءوس بناته، ثم ينشرنى على الأرض ويدرسنى بالنورج وكان هذا في الزمن القديم، أما الآن فتتولى الألات الميكانيكية هذا الأمر. وبعد الدريس يأتي فصل الحنطة من التبن ووضعها فى الجَواليق وحملها على حماره إلى منزله، فيُفرغها فى المخزن، ليبيع منها ما فضل عن حاجته، ويدخر ما بقى لقوته وقوت عياله . وإن منكم إلا من يتمتع بثمراتى، ويستمرئ طيباتى، فمنى تفْركون فريكاً، تتخذونه طعاماً شهياً سائغاً، ودقيقاً تأكلونه خبزاً وفطيراً وقطائف ورقاقا وكعكا، فأنا قوت الأبدان وقوام العيش، ومنى النخالة تطعمون بها طيوركم، والتبن تطعمونه مواشيكم، والقصالة تأكلها خيولكم وجمالكم، والتبن يُعجن بالطين، ثم يُحرَق، فيصير طوب لَبناً تُبنى به دور الفلاحين، أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض أفلا يبصرون .

 

 

 

 

 

 



السابق
أنا وصبية الوادي
التالي
حوش المقبرة

اترك تعليقاً