الادب و القصة والشعر

حوش المقبرة

حوش المقبرة

 

 .. تفتح له باب صالة غرفتها الصغيرة بحوش المقبرة .. جدران الصالة والحجرة وردية  .. قطرات عرق لزج يغطي وجهه الناعم .. صدره المكتنز يعلو ويهبط .. تنفلت من فمه أصوات خشنة  يحاول السيطرة عليها فتأت مُتقطعة وكأنها لحمار موعوك ينفر ..

    تبدو ملامحه خالية من أي تعبير ..  إلا من بعض الجدية والكآبة .. يبدو صوته وهو يحيها مجهداً .. فلا تستطيع أن تميز ما يقوله .. نبدأ الحديث فتبدو تعبيرات وجهها المكور الأبيض مرتعشة وهي تجاهد في إجترار السعادة والمرح ..

.. يضع الكيس البلاستيكي الأسود إلى جانبه وهو يختلس النظرات هتا وهناك .. يصوب نظره على الحجرة الصغيرة التي يرقد بها طفلها على ظهره بوجهه النحيل فاتحاً فمه قليلاً بعد أن أصابه الهمود عقب وصلة بكائية حارة ..

.. تنتهز المرأة الجميلة إنشغال الرجل وتختلس نظرة متوترة سريعة داخل الكيس ولكنه عندما يدير بصره عن الغرفة التي بها طفلها الراقد .. تعتدل في جلستها ..

.. يحاول أن يرتاح في جلسته فتتدلى ساقاه المكتنزتان القصيرتان من فوق الكنبه البلدي .. ولا يفلح بقامته القصيرة أن يلمس الأرض .. فتغطي وجهه تكشيرة وبصوت تغلفه قسوة :

                                 – إبنك حيصحىَ إمتى ؟

.. تجيبه المرأة بغلب :

– لسه بدري يا معلم  .

.. يبدأ الرجل في فتح اللفافة الورقية .. بداخلها قطع من اللحم المشوي .. وزجاجة بيره .. فتسأله بخجل:

– البيره دي بتسكِر ؟

.. لا يلتفت إليها الرجل .. يبدأ في قضم أول قطعة لحم .. يناولها واحدة في صمت ..

.. تقول في تعفف :

– لسه يا دوبك واكله .

.. الرجل يصدر من فمه صوتاً .. يثير في نفسها الخوف .. خاصة وأنه لا يبتسم أبداً .. عندما يتوقف عن الأكل يناولها كوباً لتصب له البيرة ..

.. رائحة اللحم المشوي تتسرب من الزجاج المكسور للنافذة .. تختلط برائحة الريحانة الموضوعة أسفل الشباك المطل على حوش المقبرة الواسع ..تذكرها الريحانة بأيام الأعياد والمنتزهات عندما كان زوجها يصحبها هي وصغيرها إلى حديقة الحيوان  وقد حملوا معهم قرص زيارة القرافه فى الأعياد واللحم والفاكهة فيهنئوا بالطعام الجيد والنوم فوق العشب الأخضر وأيديهم لا زالت عالقة بها روائح اللحم .. فيشعرون للحظات بالثراء رغم فقر الزوج وإكتفائه بعمله كملاحظ أنفار لدى المقاول الكبير .. وقبل سقوطه سهوا فى بئر سلم العمارة تحت التشييد .. وقتها أقفل المحضر في ساعته وتاريخه بفعل فاعل .. ليرث المقاول زوجته بدم بارد ويكتفى بإلقاء الفتات لها .. وإلقاء تبعة ما حدث على القضاء والقدر .. 

.. ينتهي المقاول من طعامه  .. يفرك يديه طالباً أي شىء للتدفئة .. تسرع تشعل له منقد الفحم بالخارج  .. صوت الصبي بالداخل يئن وكأنه يحلم .. تشرد بوجهها مع الصوت :

                                – كل ده بتولعي المنقد ؟

.. يجىء صوته مخنثاً مخنوقاً .. كأن قطعة من اللحم إنحشرت في حلقه وهو يشرع في القيام والإحتكاك بمؤخر*ها وهي تتسمر في مكانها .. كدمية لا يتحرك منها غير عينيها اللتين تصوبهما ناحية المنقد في شرود ..

.. يدفعها الرجل بجسده إلى الأمام ويحشرها بالحائط وهي تجاهد في دفعه إلى الوراء دون جدوى بعد أن تصلب جسده الممتلىء الطري فيفضح رفضها وإستياءها ..

 .. تقول وقد غلف صوتها غنج مُفتعل :

                               – على الكنبه أحسن .

.. تجاهد وهي تمد يدها تغلق باب الغرفة التي يرقد بها الصبي .. الصبي يبكي فتحاول المرأة أن تتخلص من الرجل والصبي لا يزال يبكي .. لكنه يتوقف للحظات .. وعندما يراها يعود إلى بكائه .. وهو ينظر إلى ما بين ساقيه .. وعندما تحمله ليغتسل .. يبدو كذئب صغير نصف مُغمض العينين .. ولكنه يفتش عن شىء ما في أركان المكان .. وأثناء رجوعها إلى غرفة النوم يخطف الصبي منها قطعة اللحم ويأخذ في مضغها ثم يتكور بجسده محاولاً الإبتعاد عن المكان المتسخ ثم يدخل في إغفاءة متوترة .. وهو لا يزال يعض قطعة اللحم .. كما كان يفعل بثدي أمه .. وتظل أصابع يده الأخرى تعلو وتهبط كأنه يهدهد بها طفل صغير .. وبعدها يغط في نوم عميق وقد توقفت جميع أعضائه وسقطت قطعة اللحم فوق الملاءة بهدوء ..

.. تحاول المرأة النفخ في جمر المنقد وهي تضع لبن الواد على النار لغليه .. ولكنها تحس بتعكر مزاج الرجل .. فتصب له كوباً من البيرة .. وهي تحاول مُلاطفته .. تضحك بتغنج مُفتعل .. ومع ذلك تغلف وجهها مسحة من الحزن فيجيىء صوت ضحكاتها قريب من صوت إمرأة وحيدة تبكي في مكان ناء ومغلق ..

.. يعود الرجل لكآبته .. تحاول الحديث معه ولكن يجىء صوتها مجهداً متهدجاً فتكتفي بملامسة جسده والشروع في خلع ملابسها .. عندئذ ينتفض الرجل واقفاً شارعاً في إرتداء ملابسه .. وقد إحمر وجهه الأملس من وهج جمر المنقد وأكواب البيرة التي عبها في جوفه .. فأصبح كوجه إمرأة إنتهت الآن من نزع زغب وجهها الأصفر .. ويظل يدمدم بكلمات وهو يبصق على الأرض وقد غلف وججه الضيق وإمتلأت عيناه بغلظة وقسوة .. وعندها تسرع بخلع ثيابها لكنها تتوقف عندما تنقض يداه الممتلئة فجأة فوق ذراعها ليمنعها ..

.. تقول وقد كسى وجهها البؤس والضيق :

– يا معلم  ما حصلش حاجه .

.. يضع الرجل قطعة لبان بفمه .. ويأخذ يمضغها وهو يدخل قميصه في سرواله والمرأة لا زالت تكرر .

– يا معلم  ما حصلش حاجه .

.. ينهكها الإلحاح فترتدي قميصها بتراخي وهي تميل بجسدها فوق الكنبة تنظر إلى الورقه أم عشره جنيه وزجاجة البيرة الفارغة وفرشة البقدونس الخالية من قطع اللحم .. ثم تُغمغم بصوت منُخفض واهن قبل أن تفر الدموع من عينيها :

– آه يا مفجوع يا إبن الك*ب .

.. ويبدو الرجل في تلك اللحظة يغادر حوش المقبرة .. يهتز جسده كمؤ*رة خراف .. وتبدو ملامحه خالية من أي شىء ..  إلا من بعض الصرامه .. وهو لا يزال يمضغ قطعة اللبان بتلذذ …قبل أن تنطلق به عربته المرسيدس الفارهة  المصفرة بصفرة السفيتة الغارقة بزوج المرأة الفاتنة!

 



السابق
القمح يُحدث عن نفسه
التالي
لما انتي عارفه

اترك تعليقاً