تمهيد يمر المشهد الأدبي العربي اليوم بتحول مفصلي قد يعيد تعريف علاقتنا بالشعر واللغة. لا نتحدث هنا عن أزمة قراءة أو تراجع في الذائقة، بل عن انتقال جذري في مركز الثقل الإبداعي؛ من الشاعر التقليدي بوصفه الكاتب الأوحد للنص، إلى الشاعر بوصفه موجهاً ومديراً إبداعياً لنص يصوغه الذكاء الاصطناعي.
في هذه السطور، أشارككم تجربة شخصية أعتبرها نقطة تحول في مساري مع الشعر العربي، لأطرح تساؤلات ملحة حول مستقبل القصيدة العروضية، وما أسميه “نهاية الشاعر التقليدي”.
من المراقبة إلى الدهشة: الآلة تتقن بحور الشعر
كنت من أوائل المتابعين لتطور النماذج اللغوية الكبرى، مثل نموذج “Gemini” التابع لشركة جوجل، و”ChatGPT” المطور من قبل شركة “OpenAI”، وراقبت تطورهما الشعري منذ البدايات تقريباً.
في السنوات الأولى، كانت الملاحظات واضحة: امتلكت هذه النماذج معرفة نظرية واسعة بعلم العروض، لكن الإتقان العملي – خصوصاً في كتابة الشعر العربي الكلاسيكي الموزون – لم يكن بالمستوى المطلوب. كانت هناك محاولات ناجحة هنا وهناك، لكنها لم تكن كافية للحكم بنضج التجربة.
لكن ما حدث مؤخراً غيّر قناعاتي تماماً. أثناء اختباري لميزة برمجية جديدة، انتقل الحديث مع النموذج الذكي إلى علم العروض. طلبت منه تحليل أبيات متعددة تحليلاً عروضياً دقيقاً، فكانت النتيجة مذهلة؛ لم يخطئ في بيت واحد.
هنا تساءلت: إذا أتقن التحليل، فهل يتقن التأليف؟ طلبت منه كتابة بيتين على بحر شعري معين، فجاء الرد خلال أقل من 30 ثانية ببيتين سليمين وزناً ومعنى، مرفقين بتحليل عروضي علمي ومنظم. في تلك اللحظة، أدركت أننا تجاوزنا مرحلة “المحاولات” إلى مرحلة “الإتقان الحقيقي”.
لماذا يعد هذا الحدث استثنائياً؟
منذ بداية ثورة الذكاء الاصطناعي، أثبتت الآلة قدرة فائقة على صياغة النصوص النثرية العربية. لكن الشعر العروضي الكلاسيكي تحدٍ من نوع آخر. فكتابة قصيدة عربية رصينة تتطلب تضافر عناصر نادرة في شخص واحد:
-
إتقان عميق ودقيق للغة العربية.
-
تشرب كامل لأوزان الخليل بن أحمد الفراهيدي.
-
حساسية شعورية عالية ومزاج فني متقد.
-
عفوية في الصياغة تجنب النص فخ الاصطناع والتكلف.
لطالما نسب العرب هذه القدرة المجمعة إلى قوى خارقة، كـ “وادي عبقر”، فكيف يمكن لآلة أن تستوعب هذا التعقيد الذي يعجز عنه اليوم الكثير من البشر في ظل تراجع الاحتكاك اليومي بالفصحى؟
سر الأغنية العربية: دراسة استقصائية
أعمل حالياً على إعداد دراسة إحصائية تبحث في مدى التزام أشهر القصائد والأغاني العربية – قديمها وحديثها – بأوزان الخليل. وتشير النتائج الأولية إلى حقيقة لافتة: ما بين 80% إلى 90% من الأغاني المشهورة، سواء أكانت فصيحة أم عامية، تلتزم بشكل مباشر أو غير مباشر ببحور الخليل وتفعيلاته.
هذا يثبت أن إتقان العروض ليس مجرد ترف تراثي، بل هو الشيفرة السرية لصناعة الأغنية العربية الناجحة. وإذا كان الذكاء الاصطناعي قد تمكن من فك هذه الشيفرة، فنحن بلا شك أمام ثورة قادمة في صناعة الموسيقى وكتابة الأغاني، ستؤدي إلى تسريع العملية الإبداعية وتوسيع نطاق الإنتاج الفني بشكل غير مسبوق.
مسابقة الإلقاء: رؤية استباقية للمستقبل
قبل نحو عامين، أطلقت مسابقة شعرية عربية، لكنني تعمدت أن تكون مسابقة في “الإلقاء” لا “التأليف”. كان دافعي في ذلك هو توقعي بأن الذكاء الاصطناعي سيصل قريباً إلى مرحلة يكتب فيها القصيدة كاملة، مما سيجعل التمييز بين الإبداع البشري والآلي شبه مستحيل. كنت أظن أن هذا التطور سيستغرق من خمس إلى عشر سنوات، لكن المفاجأة أنه تحقق خلال سنة أو سنتين فقط.
الشاعر المخرج: مفهوم جديد للإبداع
هل يعني هذا انقراض الشعراء؟ على العكس تماماً، بل سيتغير دورهم. لن يكون الشاعر مجرد “ناظم للأبيات”، بل سيتحول إلى ما يشبه دور “المخرج السينمائي”، ليصبح:
-
موجهاً للفكرة: يضع البذرة الفلسفية للنص.
-
مديراً للعاطفة: يضبط بوصلة المشاعر صعوداً وهبوطاً.
-
محدداً للنبرة: يختار السياق النفسي والأسلوبي.
-
محرراً للنص: يصقل المخرجات ويضفي عليها اللمسة الإنسانية النهائية.
لن ينقرض الشعراء، لكن من يرفض التطور سيتخلف عن الركب. فنحن نتعامل اليوم مع آلة تجتاز اختبارات طبية وقانونية معقدة، فكيف لا تنجح في اختبار شعري متى ما غُذيت بالبيانات الكافية؟
هل يمتلك الذكاء الاصطناعي عاطفة؟
يصرح الذكاء الاصطناعي دائماً بأنه كيان برمجي لا يملك مشاعر، لكن لدي قراءة مختلفة لهذه المسألة. لقد دُربت هذه النماذج على تراث إنساني يمتد لقرون؛ التهمت خوارزمياتها الملايين من قصائد الحب، ورسائل العتاب، ومآسي الحروب، وأناشيد الثورات.
عندما يكتب الذكاء الاصطناعي نصاً عاطفياً، فهو لا يخلق العاطفة من العدم، بل يستدعي مخزوناً بشرياً متراكماً. من هذه الزاوية، يمكننا اعتبار عاطفته “عاطفة موروثة” وليست “مصطنعة”. هو، مجازاً، الابن الشرعي للتراث الأدبي الإنساني. ينمو بالتعلم من بياناتنا، تماماً كما ينمو إحساس الطفل باحتكاكه ببيئته.
خلاصة القول ونواصي المستقبل
نحن لا نشهد نهاية الشعر، بل نشهد نهاية المفهوم التقليدي للشاعر. القصيدة لن تموت، لكن أدوات ولادتها قد تغيرت للأبد. المرحلة القادمة ستكون مسرحاً لتعاون غير مسبوق بين عقل بشري موجه، وعقل اصطناعي منفذ وسريع التحليل.
ونصيحتي لشعراء وكتاب الأغاني اليوم تتلخص في أمرين: أولاً: أتقنوا العروض الخليلية، حتى لو كنتم تكتبون بالعامية الدارجة، فإيقاع الخليل ينبض في عمقها. ثانياً: أتقنوا أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقبلوه كشريك في مستقبلكم الإبداعي.
من ينجح في الجمع بين أصالة التراث ومرونة الأدوات الحديثة، هو من سيقود المشهد الثقافي القادم. أما من يتخندق في الأشكال القديمة رافضاً التطور، فسيجد نفسه خارج السياق، لا لأن الشعر قد انتهى، بل لأن العالم بأكمله قد تغير.
