أجمل قصائد الحب في العصر الجاهلي ليست مجرد أبيات قديمة تُقرأ للتسلية، بل هي أقدم سجلّ عاطفي وصلنا عن العرب قبل الإسلام، سجّل فيه الشعراء لواعج قلوبهم كما سجّلوا أيام قبائلهم وبطولاتها. وقد جاء الغزل في صدور أعظم القصائد والمعلقات، حتى صار الوقوف على الأطلال وذكر الحبيبة سنّة شعرية يفتتح بها الشاعر الجاهلي كلامه مهما كان غرضه.
وتتميز قصائد الحب الجاهلية بصدق العاطفة وقوة التصوير، فالشاعر الجاهلي لا يعرف التكلف، يصف الحبيبة كما تراها عينه، ويشكو الفراق كما يقع على قلبه، بلغة فخمة موزونة مقفّاة بقيت تتردد على الألسنة أكثر من خمسة عشر قرناً. ولهذا بقيت هذه القصائد مرجعاً لكل دارس للأدب العربي، ومنبعاً استقى منه شعراء الغزل في كل العصور التي تلت.
وفي هذا المقال نستعرض مختارات من أجمل ما قاله شعراء الجاهلية في الحب والغزل، من امرئ القيس صاحب المعلقة الأشهر، إلى عنترة بن شداد الذي جمع بين الفروسية والحب، إلى الأعشى والمنخل اليشكري، مع لمحة عن قصة كل شاعر مع محبوبته.
فإذا كنت تبحث عن أبيات خالدة تصف الحب الصادق بلغة العرب الأولى، فهذه المختارات جمعناها لك من عيون الشعر الجاهلي، وهي تكمل ما بدأناه في مقال أجمل قصائد الحب والغزل في الشعر العربي القديم.
أجمل قصائد الحب في العصر الجاهلي
امرؤ القيس: أفاطمَ مهلاً بعض هذا التدلل
هو امرؤ القيس صاحب أشهر معلقة في تاريخ الشعر العربي، والملقب بالملك الضلّيل. وفي معلقته التي تبدأ بـ«قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ» يخاطب محبوبته فاطمة بأبيات تعد من أرقّ ما قيل في عتاب الحبيب ودلاله:
أَفاطِمَ مَهلاً بَعضَ هَذا التَدَلُّلِ – وَإِن كُنتِ قَد أَزمَعتِ صَرمي فَأَجمِلي
وَإِن تَكُ قَد ساءَتكِ مِنّي خَليقَةٌ – فَسُلّي ثِيابي مِن ثِيابِكِ تَنسُلِ
أَغَرَّكِ مِنّي أَنَّ حُبَّكِ قاتِلي – وَأَنَّكِ مَهما تَأمُري القَلبَ يَفعَلِ
وَما ذَرَفَت عَيناكِ إِلّا لِتَضرِبي – بِسَهمَيكِ في أَعشارِ قَلبٍ مُقَتَّلِ
في هذه الأبيات يجمع امرؤ القيس بين العتاب والاستسلام، فهو يعلم أن قلبه طوع أمر محبوبته، وأن دموعها ما هي إلا سهام تصيب قلباً مقتّلاً أصلاً من الحب، وهي صورة من أصدق صور الوجد في الشعر العربي كله.
عنترة بن شداد: فوددتُ تقبيل السيوف
فارس بني عبس وشاعرها، أحب ابنة عمه عبلة وخلّد اسمها في معلقته وفي مئات الأبيات، حتى صارت قصتهما مضرب المثل في الحب العربي. ومن أعجب ما قاله إنه كان يذكرها في قلب المعركة، والسيوف تلمع من حوله فتذكّره ببريق ثغرها:
وَلَقَد ذَكَرتُكِ وَالرِماحُ نَواهِلٌ – مِنّي وَبيضُ الهِندِ تَقطُرُ مِن دَمي
فَوَدِدتُ تَقبيلَ السُيوفِ لِأَنَّها – لَمَعَت كَبارِقِ ثَغرِكِ المُتَبَسِّمِ
وقد أفردنا لشعره مقالاً كاملاً بعنوان قصائد عنترة بن شداد: بين الفروسية والحب لمن أراد التوسع في قصته مع عبلة.
الأعشى: ودّع هريرة إن الركب مرتحل
هو ميمون بن قيس، الملقب بصنّاجة العرب لكثرة ما تُغُنّي بشعره. وتفتتح معلقته بواحد من أشهر أبيات الوداع في الشعر العربي، ثم يمضي في وصف محبوبته هريرة وصفاً بلغ من رقته أن صار نموذجاً يحتذيه الشعراء في وصف مشية الحسناء:
وَدِّع هُرَيرَةَ إِنَّ الرَكبَ مُرتَحِلُ – وَهَل تُطيقُ وَداعاً أَيُّها الرَجُلُ
غَرّاءُ فَرعاءُ مَصقولٌ عَوارِضُها – تَمشي الهُوَينا كَما يَمشي الوَجي الوَحِلُ
كَأَنَّ مِشيَتَها مِن بَيتِ جارَتِها – مَرُّ السَحابَةِ لا رَيثٌ وَلا عَجَلُ
فمشية هريرة عنده كمرور السحابة، لا بطء فيها ولا عجلة، وهو تشبيه ظل النقاد يضربون به المثل في دقة التصوير الجاهلي.
المنخل اليشكري: وأحبها وتحبني
شاعر مقلّ لكن أبياته في الحب من أخف ما قالته العرب وأقربه إلى القلب، وأشهرها أبياته التي تصور تبادل الحب بين المحبين حتى بين ركائبهما:
وَلَقَد دَخَلتُ عَلى الفَتاةِ – الخِدرَ في اليَومِ المَطيرِ
وَأُحِبُّها وَتُحِبُّني – وَيُحِبُّ ناقَتَها بَعيري
وبيت «وأحبها وتحبني» يعد من ألطف ما وصل إلينا من الغزل الجاهلي، لبساطته وصدقه، وقد جرى مجرى المثل في الحب المتبادل.
خاتمة
هذه المختارات غيض من فيض الغزل الجاهلي، فقد كان الحب حاضراً في كل معلقة وكل ديوان، من نسيب النابغة الذبياني في وصف المتجردة إلى سلمى طرفة بن العبد. والجميل أن هذه الأبيات ما زالت حية تُقرأ وتُستشهد حتى اليوم، لأنها قالت مشاعر الإنسان الأولى بلغة لم يبلغ جمالها كلام بعدها.
اقرأ أيضاً
- أجمل قصائد الحب والغزل في الشعر العربي القديم
- أجمل قصائد الغزل العذري في الشعر العربي
- أجمل قصائد مجنون ليلى في حب ليلى العامرية
- أعظم قصائد الحب في تاريخ الأدب العربي
