أجمل قصائد مجنون ليلى في الحب هي في الحقيقة ديوان كامل من الوجد، كتبه قيس بن الملوح العامري في ليلى بنت مهدي العامرية، ابنة عمومته التي أحبها منذ الصغر حين كانا يرعيان الغنم معاً. فلما شبّا وطلبها من أهلها ردّوه، لأن العرب كانت تأنف أن تزوّج من شبّب ببناتها في شعره، وزوّجوها رجلاً من ثقيف.
لم يحتمل قيس الفراق، فهام على وجهه في براري نجد والحجاز، يخالط الوحوش ويقول الشعر في ليلى، حتى لقّبه الناس بالمجنون. وليس جنونه جنون خبل، بل جنون قلب غلبه الحب حتى غيّبه عن كل شيء سواه، ولهذا بقيت قصته أشهر قصة حب في تاريخ العرب، تروى في كتب الأدب وتلهم الشعراء والكتّاب إلى اليوم.
وشعر المجنون يتميز بصدق لا يشبه صدق أحد، فهو لم يقل الشعر تكسباً ولا مفاخرة، بل كان الشعر نَفَسه الذي يتنفس به، ودموعه التي تجري على لسانه. أبياته سهلة اللفظ عميقة الجرح، تحفظها الأجيال جيلاً بعد جيل.
وفي هذا المقال جمعنا أجمل ما قاله قيس في ليلى من قصائده المشهورة، مع وقفة قصيرة عند كل مقطوعة، لتقرأ قصة هذا الحب من لسان صاحبه.
أجمل قصائد مجنون ليلى في حب ليلى العامرية
أمرّ على الديار ديار ليلى
أشهر أبيات المجنون على الإطلاق، وفيها يقبّل جدران ديار ليلى بعد رحيلها، ثم يستدرك بأن الجدران ليست هي المقصودة:
أَمُرُّ عَلى الدِيارِ دِيارِ لَيلى – أُقَبِّلُ ذا الجِدارَ وَذا الجِدارا
وَما حُبُّ الدِيارِ شَغَفنَ قَلبي – وَلَكِن حُبُّ مَن سَكَنَ الدِيارا
بيتان صارا مضرب المثل في تعلّق المحب بكل ما يمتّ إلى حبيبه بصلة، حتى الحجارة والجدران.
يقولون ليلى بالعراق مريضة
من قصيدته اليائية الطويلة التي منها «تذكّرت ليلى والسنين الخواليا»، وقد أوردنا مقاطع منها في مقال أجمل قصائد الحب والغزل في الشعر العربي القديم. ومن أرقّ ما فيها:
يَقولونَ لَيلى بِالعِراقِ مَريضَةٌ – فَيا لَيتَني كُنتُ الطَبيبَ المُداوِيا
فَيا رَبِّ سَوِّ الحُبَّ بَيني وَبَينَها – يَكونُ كَفافاً لا عَلَيَّ وَلا لِيا
وَخَبَّرتُماني أَنَّ تَيماءَ مَنزِلٌ – لِلَيلى إِذا ما الصَيفُ أَلقى المَراسِيا
فهو يتمنى أن يكون طبيبها ليقترب منها، ويدعو الله أن يجعل الحب بينهما متساوياً، لا يزيد على أحدهما فيشقى به وحده، وهو من أنبل دعاء قيل في الحب.
فهلّا نفسُ ليلى شفيعُها
وحين بلغه أن ليلى أرسلت من يشفع لها عنده بعد طول القطيعة، قال بيته المشهور الذي يختصر منطق المحبين جميعاً:
وَأُخبِرتُ لَيلى أَرسَلَت بِشَفاعَةٍ – إِلَيَّ فَهَلّا نَفسُ لَيلى شَفيعُها
فأي شفيع يحتاجه المحب سوى وجه من يحب؟ لو جاءته ليلى نفسها لكانت أعظم شفاعة.
يا جبلي نعمان
ومن أبياته التي تجري مجرى النسيم رقةً، مناجاته جبلي نعمان أن يخلّيا بينه وبين ريح الصبا لأنها تحمل شيئاً من رائحة ليلى:
أَيا جَبَلَي نَعمانَ بِاللَهِ خَلِّيا – نَسيمَ الصَبا يَخلُص إِلَيَّ نَسيمُها
فالمحروم من لقاء حبيبته يقنع من الدنيا كلها بنسمة ريح مرّت بديارها، وهذا أقصى ما يملكه المجنون من ليلى.
نهاية المجنون
ظل قيس على حاله من الهيام حتى ماتت ليلى في ديار زوجها، فلم يعش بعدها طويلاً، ووجده أهله ملقىً بين الحجارة ميتاً، فحُمل إلى أهله ودفن. وهكذا صدق فيه ما قيل عن بني عذرة وأشباههم: قوم إذا أحبوا ماتوا. وبقي شعره حياً يقرأه العشاق في كل جيل، ويجدون فيه أنفسهم كما لو كان قيلَ فيهم.
خاتمة
قصة مجنون ليلى ليست قصة رجل فقد عقله، بل قصة قلب رفض أن ينسى، فحوّل حرمانه إلى أجمل شعر حب عرفته العربية. وإذا أعجبك هذا اللون من الحب الطاهر فاقرأ مقالنا عن أجمل قصائد الغزل العذري في الشعر العربي لتتعرف على إخوة قيس في هذا الطريق: جميل وكثيّر وعروة وقيس بن ذريح.
اقرأ أيضاً
- أجمل قصائد الغزل العذري في الشعر العربي
- أجمل قصائد الحب في العصر الجاهلي
- أعظم قصائد الحب في تاريخ الأدب العربي
- قصائد حب قصيرة: أجمل أبيات الغزل القصيرة
