أجمل قصائد جميل بثينة في الحب تضعه بحق في مقدمة شعراء الغزل العذري، فهو سيدهم وإمامهم الذي قال فيه القدماء: كان جميل أشعر أهل الحجاز في النسيب. واسمه جميل بن معمر العذري، من بني عذرة، القبيلة التي اشتهرت بأن أبناءها إذا أحبوا ماتوا، وقد صدقت فيه هذه المقولة حتى صار اسمه لا يذكر إلا مقروناً باسم محبوبته: جميل بثينة.
بدأت القصة في وادي بغيض حين كان جميل فتى يسقي إبله، فوقع بينه وبين فتاة من قومه اسمها بثينة كلام وملاحاة، فإذا بالخصومة الصغيرة تشعل حباً ملأ عمره كله. طلبها من أهلها فردّوه وزوّجوها غيره كعادة العرب مع من شبّب ببناتهم، فظل يزورها سراً زيارات عفيفة حتى شكاه أهلها إلى السلطان، فرحل إلى اليمن ثم إلى مصر، ومات هناك بعيداً عنها وقلبه معلق بها.
وشعر جميل عذب اللفظ صادق العاطفة، لا تكلّف فيه ولا صنعة، وفيه من المعاني المبتكرة في الحب ما جعل الشعراء بعده عيالاً عليه، وتلميذه كثيّر عزة أشهر من حمل مدرسته من بعده.
في هذا المقال نقرأ أجمل ما قاله جميل في بثينة، قصيدةً قصيدة، مع قصة كل مقطوعة وما فيها من لطائف المعاني.
أجمل قصائد جميل بثينة في الحب
وأول ما قاد المودة بيننا
يروي جميل بنفسه كيف بدأ الحب: خصومة في وادي بغيض ردّت فيها بثينة عليه بمثل قوله، فأعجبه ردّها قبل أن يعجبه حسنها:
وَأَوَّلُ ما قادَ المَوَدَّةَ بَينَنا – بِوادي بَغيضٍ يا بُثَينَ سِبابُ
وَقُلنا لَها قَولاً فَجاءَت بِمِثلِهِ – لِكُلِّ كَلامٍ يا بُثَينَ جَوابُ
وهذه من أصدق بدايات الحب في الشعر العربي: لم يبدأ بنظرة كما في القصص المعتادة، بل بمساجلة كلام كشفت له عقلها قبل جمالها.
قتيل بكى من حب قاتله
ومن أشهر أبياته على الإطلاق سؤاله الذي حيّر العشاق قبله وبعده:
خَليلَيَّ فيما عِشتُما هَل رَأَيتُما – قَتيلاً بَكى مِن حُبِّ قاتِلِهِ قَبلي
فبثينة قاتلته بالحب، وهو مع ذلك يبكي من حبها لا من جراحها، وهذا التناقض العذب هو جوهر الغزل العذري كله في بيت واحد.
يموت الهوى مني إذا ما لقيتها
وله في وصف دورة الشوق التي يعرفها كل محب بيت من أدق ما قيل في النفس الإنسانية:
يَموتُ الهَوى مِنّي إِذا ما لَقيتُها – وَيَحيا إِذا فارَقتُها فَيَعودُ
فاللقاء يطفئ نار الشوق ساعة، والفراق يوقدها من جديد، في دورة لا تنتهي إلا بانتهاء العمر، وهكذا كانت حياة جميل فعلاً.
ألا ليت ريعان الشباب جديد
وفي أخريات عمره، بعيداً عن الحجاز، كتب جميل قصيدته في الحنين إلى زمن اللقاءات الأولى، يتمنى لو يعود الشباب وتعود أيام بثينة:
أَلا لَيتَ رَيعانَ الشَبابِ جَديدُ – وَدَهراً تَوَلّى يا بُثَينَ يَعودُ
وقد أوردنا هذه القصيدة بأكملها في مقال أجمل قصائد الحب والغزل في الشعر العربي القديم فارجع إليها هناك كاملة.
وفاة جميل ووصيته
تروي كتب الأدب أن جميلاً لما حضرته الوفاة في مصر أوصى رجلاً أن يأتي الحجاز فينعاه إلى بثينة، فلما بلغها الخبر خرجت تبكيه أمام الناس غير مبالية، وقالت كلمتها المشهورة في رثائه. وهكذا انتهت واحدة من أنبل قصص الحب العربي: لم يجمعهما بيت واحد يوماً، وجمعهما الشعر إلى الأبد.
خاتمة
جميل بثينة هو الأصل الذي تفرّع منه شجر الغزل العذري كله، ومن أراد أن يرى المدرسة كاملة فليقرأ مقالنا الجامع عن أجمل قصائد الغزل العذري في الشعر العربي، وقصة زميله الأشهر في مقال أجمل قصائد مجنون ليلى.
اقرأ أيضاً
- أجمل قصائد الغزل العذري في الشعر العربي
- أجمل قصائد مجنون ليلى في حب ليلى العامرية
- أجمل قصائد عمر بن أبي ربيعة في الحب والغزل
- أجمل قصائد الفراق والوداع في الشعر العربي
