أجمل قصائد عمر بن أبي ربيعة في الحب والغزل تمثل مدرسة قائمة بذاتها في الشعر العربي، فهذا الشاعر القرشي المخزومي الذي عاش في مكة في العصر الأموي لم يكتب الغزل كما كتبه العذريون دموعاً وحرماناً، بل كتبه حكايات حية مليئة بالحوار والحركة والدلال، حتى قيل إنه أول من أدخل فن القصة إلى الشعر العربي.
وُلد عمر في بيت من أغنى بيوت قريش، ووهبه الله وسامة وظرفاً وشعراً، فصار حديث نساء عصره وشاعرهن المفضّل، وصارت قصائده تُتناقل في المواسم وتُغنّى في المجالس. وميزته الكبرى أنه لم يقف على الأطلال كثيراً، بل جعل المرأة نفسها تتكلم في شعره، فنسمع صوتها ودلالها وحيرتها، وهذا ما لم يفعله شاعر قبله بهذه البراعة.
وقد أخذ عليه بعض النقاد أنه شبّب بنفسه أكثر مما تغزّل بمحبوباته، فهو يروي إعجاب النساء به رواية الظافر المزهو، لكن هذا بالذات ما جعل شعره مرآة فريدة لمجتمع الحجاز المترف في عصره، ووثيقة أدبية لا تقدر بثمن.
في هذا المقال نقرأ معاً أجمل ما قاله شاعر الغزل الحضري الأول، مع وقفة عند كل قصيدة لنرى سرّ هذه الشهرة التي لم تخبُ منذ ثلاثة عشر قرناً.
أجمل قصائد عمر بن أبي ربيعة في الحب والغزل
ليت هنداً أنجزتنا ما تعد
أشهر قصائده على الإطلاق، وفيها المشهد الذي صار من أشهر مشاهد الشعر العربي: هند تسأل جاراتها عن حسنها، وهنّ يجبنها بما يعرفه الجميع:
لَيتَ هِنداً أَنجَزَتنا ما تَعِد – وَشَفَت أَنفُسَنا مِمّا تَجِد
وَاِستَبَدَّت مَرَّةً واحِدَةً – إِنَّما العاجِزُ مَن لا يَستَبِد
زَعَموها سَأَلَت جاراتِها – وَتَعَرَّت ذاتَ يَومٍ تَبتَرِد
أَكَما يَنعَتُني تُبصِرنَني – عَمرَكُنَّ اللَهَ أَم لا يَقتَصِد
فَتَضاحَكنَ وَقَد قُلنَ لَها – حَسَنٌ في كُلِّ عَينٍ مَن تَوَد
وبيت «حسنٌ في كل عينٍ من تود» صار مثلاً سائراً إلى يومنا، فالحبيب جميل في عين محبّه مهما قال الناس.
أيها المنكح الثريا سهيلا
وحين زُوّجت الثريّا بنت علي الأموية من سهيل بن عبد الرحمن، قال عمر بيتيه اللذين جريا مجرى المثل في كل زواج غير متكافئ، مستعيراً نجمي الثريا وسهيل اللذين لا يلتقيان في السماء أبداً:
أَيُّها المُنكِحُ الثُرَيّا سُهَيلاً – عَمرَكَ اللَهُ كَيفَ يَلتَقِيانِ
هيَ شامِيَّةٌ إِذا ما اِستَقَلَّت – وَسُهَيلٌ إِذا اِستَقَلَّ يَمانِ
فالثريا نجمة تطلع من الشام وسهيل يطلع من اليمن، وبينهما السماء كلها، كما بين المحبوبة ومن زُوّجت به.
أتحب القتول أخت الرباب
ومن قصائده التي تظهر فنّه في الحوار الشعري، قصيدته التي يفتتحها بسؤال صاحبه له، ليجري الشعر بعدها كأنه حديث بين صديقين:
قالَ لي صاحِبي لِيَعلَمَ ما بي – أَتُحِبُّ القَتولَ أُختَ الرَبابِ
وهذا الأسلوب القصصي الحواري هو بصمة عمر الخاصة التي ميّزته عن كل شعراء الغزل قبله وبعده، فقصيدته مسرح صغير فيه شخوص يتكلمون ويتحركون.
مكانته في الغزل العربي
يمثل عمر بن أبي ربيعة قمة الغزل الحضري الصريح، في مقابل الغزل العذري الذي عاصره في البوادي، وكأن العصر الأموي أنجب المدرستين معاً ليكتمل ديوان الحب العربي: قيس وجميل يبكيان في الصحراء، وعمر يضحك ويتدلل في مكة. وقد قرأنا للمدرسة الأولى في مقال أجمل قصائد الغزل العذري، فكانت هذه المقالة وجه العملة الآخر.
خاتمة
لم يكن عمر بن أبي ربيعة مجرد شاعر غزل، بل كان مجدداً غيّر وجه القصيدة العربية حين أدخل إليها القصة والحوار وصوت المرأة. ولهذا بقي ديوانه من أكثر دواوين العربية قراءة وغناء، وبقيت أبياته شاهداً على أن الحب يُكتب بألف طريقة.
اقرأ أيضاً
- أجمل قصائد الغزل العذري في الشعر العربي
- أجمل قصائد الحب في العصر العباسي
- قصائد حب قصيرة: أجمل أبيات الغزل القصيرة
- أجمل قصائد الحب والغزل في الشعر العربي القديم
