قصائد ابن زيدون وولّادة بنت المستكفي ليست مجرد شعر جميل، بل هي سجل كامل لأشهر قصة حب في تاريخ الأندلس، قصة جمعت وزيراً شاعراً من أعظم شعراء العربية بأميرة أموية شاعرة كان مجلسها قبلة أدباء قرطبة. حب بدأ شعراً وانتهى شعراً، وبينهما غيرة ووشاية وسجن ومنفى ونونية خالدة.
ولّادة بنت المستكفي أميرة من بيت الخلافة الأموية في قرطبة، لما مات أبوها فتحت مجلسها للشعراء والأدباء، وكانت جميلة جريئة موهوبة، تقول الشعر وتجاري الرجال في الأدب. أما أحمد بن زيدون المخزومي فكان شاب قرطبة الأول: نسب عريق وشعر فحل وطموح سياسي كبير، فلما التقيا في مجالس الأدب كان ما لا بد أن يكون.
تبادلا الحب والشعر فترة كانت من أخصب فترات الأدب الأندلسي، ثم دبّ الوشاة بينهما، ونافسه على قلبها الوزير ابن عبدوس، وغضبت ولّادة من التفاتة لجاريتها، فانقلب الوصل هجراً. ثم زاد الدهر فسجن الخليفة ابنَ زيدون بوشاية، فهرب من سجنه ونفي عن قرطبة، ومن منفاه كتب أشهر قصيدة فراق في اللغة العربية.
في هذا المقال نروي القصة كاملة من خلال شعر طرفيها، فقصة ابن زيدون وولّادة تُقرأ في قصائدهما أفضل مما تقرأ في كتب التاريخ.
قصائد ابن زيدون وولادة بنت المستكفي
ولّادة في زمن الوصل: الليل أكتم للسر
في أيام الحب الأولى كانت ولّادة تكتب لابن زيدون مواعيد اللقاء شعراً، ومن أشهر ما قالت:
تَرَقَّب إِذا جَنَّ الظَلامُ زِيارَتي – فَإِنّي رَأَيتُ اللَيلَ أَكتَمَ لِلسِرِّ
وَبي مِنكَ ما لَو كانَ بِالشَمسِ لَم تَلُح – وَبِالبَدرِ لَم يَطلُع وَبِالنَجمِ لَم يَسرِ
فحبها له عندها أعظم من أن تحمله الشمس والبدر والنجوم، ولو حملته لتوقفت عن المسير. وكانت ولّادة مع ذلك معتزة بنفسها أشد الاعتزاز، تمشي في قرطبة مرفوعة الرأس، شاعرة تعرف قدرها.
ودّع الصبر محبٌّ ودّعك
لما بدأت الغيرة تفسد ما بين الحبيبين، كتب ابن زيدون قصيدته التي يودّع فيها صبره مع وداع حبيبته:
وَدِّع الصَبرَ مُحِبٌّ وَدَّعَك – ذائِعٌ مِن سِرِّهِ ما اِستَودَعَك
فالفراق لم يأخذ منه ولّادة وحدها، بل أخذ صبره وأذاع أسرار قلبه، وهذا الجناس بين «ودّع» و«استودع» من ألطف ما في الشعر الأندلسي من صنعة لا تفسد الصدق.
النونية: أضحى التنائي بديلاً من تدانينا
ومن منفاه بعد السجن والهرب، كتب ابن زيدون إلى ولّادة نونيّته التي أجمع النقاد على أنها أشهر قصيدة فراق في العربية، وفيها يقول:
أَضحى التَنائي بَديلاً مِن تَدانينا – وَنابَ عَن طيبِ لُقيانا تَجافينا
بِنتُم وَبِنّا فَما اِبتَلَّت جَوانِحُنا – شَوقاً إِلَيكُم وَلا جَفَّت مَآقينا
وَقَد نَكونُ وَما يُخشى تَفَرُّقُنا – فَاليَومَ نَحنُ وَما يُرجى تَلاقينا
وَيا نَسيمَ الصَبا بَلِّغ تَحِيَّتَنا – مَن لَو عَلى البُعدِ حَيّا كانَ يُحيينا
قصيدة كاملة على هذا النسق من المقابلات الموجعة، حفظها الأدباء وعارضها الشعراء قروناً، وما زالت تُدرّس بوصفها ذروة شعر الفراق العربي.
نهاية القصة
لم يجتمع الحبيبان بعدها أبداً. عاد ابن زيدون إلى المناصب والوزارة في إشبيلية عند بني عبّاد، وعاشت ولّادة في قرطبة معززة مكرمة حتى جاوزت الثمانين، ولم تتزوج قط. وهكذا انتهت القصة كما تنتهي أعظم قصص الحب: لا لقاء في الأرض، وخلود في الشعر.
خاتمة
قصة ابن زيدون وولّادة هي جوهرة الغزل الأندلسي، وقد وضعناها في سياقها الكامل في مقال أجمل قصائد الحب في الأندلس. وإذا شئت المقارنة مع مأساة مشرقية شبيهة فاقرأ أجمل قصائد مجنون ليلى، لترى كيف يكتب المشرق والمغرب الحرمان بلغتين وقلب واحد.
اقرأ أيضاً
- أجمل قصائد الحب في الأندلس
- أجمل قصائد الفراق والوداع في الشعر العربي
- أجمل أبيات الشوق والحنين إلى الحبيب
- أعظم قصائد الحب في تاريخ الأدب العربي
