أراك عصيّ الدمع شيمتك الصبر: مطلع واحد كفى صاحبه ليدخل تاريخ الشعر العربي من أوسع أبوابه. قائله الأمير أبو فراس الحمداني، ابن عمومة سيف الدولة، الفارس الشاعر الذي جمع ما قلّ أن يجتمع: نسب الملوك وشجاعة الفرسان ورقة الشعراء، وقصيدته هذه ــ المعروفة بالرائية ــ تُعد من أشهر قصائد الحب والكبرياء في اللغة العربية كلها.
وسرّ هذه القصيدة في التوتر العجيب الذي يسكنها: محبٌّ يعترف بالشوق واللوعة، وأميرٌ يأبى أن تُذاع أسراره أو تسيل دموعه أمام الناس. فكل بيت فيها معركة صغيرة بين القلب والكبرياء، ولهذا وجد فيها كل قارئ نفسه، فمن منا لم يكابر يوماً على وجع في قلبه؟
وقد قيل إن أبا فراس نظم أجمل شعره في أسره، حين وقع أسيراً عند الروم في حملات الثغور، فكتب من محبسه قصائده المعروفة بالروميات، التي تفيض حنيناً إلى الشام وإلى أمه وأحبته. وسواء نُظمت الرائية في الأسر كما يذهب كثيرون أم قبله، فقد صارت نشيد كل مشتاق يكابر.
وزاد القصيدة خلوداً أن كوكب الشرق أم كلثوم غنّت أبياتاً منها في القرن العشرين، فطارت في الآفاق، وصار مطلعها يعرفه حتى من لا يقرأ الشعر. في هذا المقال نقف مع أجمل أبياتها ونتذوق معانيها بيتاً بيتاً.
أراك عصي الدمع: أجمل أبيات أبي فراس الحمداني في الحب
المطلع: معركة القلب والكبرياء
أَراكَ عَصِيَّ الدَمعِ شيمَتُكَ الصَبرُ – أَما لِلهَوى نَهيٌ عَلَيكَ وَلا أَمرُ
بَلى أَنا مُشتاقٌ وَعِندِيَ لَوعَةٌ – وَلَكِنَّ مِثلي لا يُذاعُ لَهُ سِرُّ
البيت الأول سؤال يوجهه الشاعر إلى نفسه، والثاني جواب صار شعار الكبرياء العاطفي في العربية: نعم أشتاق، لكن مثلي لا يبوح. وفي هذه المساءلة الداخلية ابتكار فني سبق به أبو فراس زمانه.
إذا الليل أضواني
إِذا اللَيلُ أَضواني بَسَطتُ يَدَ الهَوى – وَأَذلَلتُ دَمعاً مِن خَلائِقِهِ الكِبرُ
تَكادُ تُضيءُ النارُ بَينَ جَوانِحي – إِذا هيَ أَذكَتها الصَبابَةُ وَالفِكرُ
فالكبرياء نهاري فقط: إذا جنّ الليل وغاب الشهود، بسط الأمير يد الهوى وبكى. وصورة النار التي تكاد تضيء بين الضلوع من أقوى صور الوجد المكتوم في الشعر العربي.
معلّلتي بالوصل
مُعَلِّلَتي بِالوَصلِ وَالمَوتُ دونَهُ – إِذا مِتُّ ظَمآناً فَلا نَزَلَ القَطرُ
وَفَيتُ وَفي بَعضِ الوَفاءِ مَذَلَّةٌ – لِآنِسَةٍ في الحَيِّ شيمَتُها الغَدرُ
وهنا يبلغ العتاب ذروته: إن متُّ ظمآن إلى وصلك فلا نزل المطر بعدي على أحد، فأيّ عاشق قبله جعل حرمانه سبباً ليحرم الدنيا كلها من الري؟
وقالت لقد أزرى بك الدهر
وَقالَت لَقَد أَزرى بِكَ الدَهرُ بَعدَنا – فَقُلتُ مَعاذَ اللَهِ بَل أَنتِ لا الدَهرُ
حوار من بيت واحد فيه قصة كاملة: هي تلوم الدهر الذي غيّره، وهو يصحح لها في أدب الأمراء: ما غيّرني الدهر، بل أنتِ. عتابٌ أرقّ من الرضا وأوجع من الهجاء.
أيا جارتا: حمامة الأسر
ومن روميات الأسر قصيدته التي خاطب فيها حمامة ناحت قرب محبسه، فقاسمها همومه مقاسمة الند للند:
أَقولُ وَقَد ناحَت بِقُربي حَمامَةٌ – أَيا جارَتا هَل تَشعُرينَ بِحالي
أَيا جارَتا ما أَنصَفَ الدَهرُ بَينَنا – تَعالَي أُقاسِمكِ الهُمومَ تَعالي
فالحمامة الطليقة تنوح وهي حرة، والأمير الأسير يحسدها على نواحها، وفي هذا من لوعة الغربة ما يغني عن الشرح.
خاتمة
أبو فراس الحمداني هو شاعر الحب المكابر بلا منازع، وقصيدته الرائية درس خالد في أن أعظم شعر الحب ليس أكثره بوحاً، بل أصدقه صراعاً. وللمزيد من كنوز هذا العصر اقرأ أجمل قصائد الحب في العصر العباسي، أو أبيات الكتمان والبوح في أجمل أبيات الشوق والحنين.
اقرأ أيضاً
- أجمل قصائد الحب في العصر العباسي
- أجمل أبيات الشوق والحنين إلى الحبيب
- قصائد ابن زيدون وولادة بنت المستكفي
- أجمل قصائد الحب والغزل في الشعر العربي القديم
