أجمل قصائد الحب في العصر العباسي تحمل نكهة مختلفة عن كل ما سبقها، فقد انتقل الغزل من خيام البادية إلى قصور بغداد ومجالسها، ومن بكاء الأطلال إلى وصف مجالس الأنس ورقّة الحضر. ومع ذلك بقي القلب العربي هو القلب: يشتاق ويعاتب ويسهر، لكن بلغة أصفى وصور أدق صقلتها حضارة كانت يومها سيدة الدنيا.
وفي هذا العصر ظهر شعراء وقفوا شعرهم على الغزل وحده حتى لُقّب بعضهم بشعراء الحب، وعلى رأسهم العباس بن الأحنف الذي لم يقل في غير الغزل شيئاً يذكر، وبشار بن برد الذي جدد في المعاني حتى قيل إنه فتح للمحدثين طريقهم، وابن الرومي صاحب أدق التصويرات النفسية في الشعر العربي.
كما شهد العصر العباسي تحولاً مهماً: صار الغزل فناً قائماً بذاته يتبارى فيه الشعراء في مجالس الخلفاء، وصارت معانيه تُدرس وتُقارن، فظهرت في هذا الجو معانٍ لم يسبق إليها أحد، ما زال الشعراء يعيدون صياغتها إلى اليوم.
في هذا المقال نستعرض أجمل ما قاله شعراء العصر العباسي في الحب، مع لمحة عن كل شاعر ومكانته، لتكتمل عندك صورة الغزل العربي بين البداوة والحضارة.
أجمل قصائد الحب في العصر العباسي
العباس بن الأحنف: شاعر الحب الخالص
شاعر بغدادي ظريف لم يمدح ولم يهجُ، بل وقف شعره كله على الحب، حتى عدّه النقاد إمام الغزل الحضري. ومن شعره الذي يختصر حال كل محب:
قَلبي إِلى ما ضَرَّني داعي – يُكثِرُ أَسقامي وَأَوجاعي
قالوا خُراسانُ أَقصى ما يُرادُ بِنا – ثُمَّ القُفولُ فَقَد جِئنا خُراسانا
فالبيت الأول في القلب الذي يمضي إلى ما يؤذيه راضياً، والثاني في غربة المحب التي لا يبدو لها آخر، وكلاهما جرى مجرى المثل.
بشار بن برد: والأذن تعشق قبل العين أحيانا
أعمى وُلد في البصرة وصار من أعظم شعراء العربية، وقد سُئل كيف يعشق من لا يرى، فأجاب ببيته الذي دخل تاريخ الأدب من أوسع أبوابه:
يا قَومُ أُذني لِبَعضِ الحَيِّ عاشِقَةٌ – وَالأُذنُ تَعشَقُ قَبلَ العَينِ أَحيانا
ومن ظريف مبالغاته في وصف أثر الحب على جسده قوله:
إِنَّ في بُردَيَّ جِسماً ناحِلاً – لَو تَوَكَّأتَ عَلَيهِ لَاِنهَدَم
فقد جعل العشق يذيب الجسد حتى ما يعود يحمل متكئاً، وهي صورة ضاحكة باكية معاً على طريقة بشار الفريدة.
ابن الرومي: وهل بعد العناق تداني
صاحب أطول نَفَس في الشعر العربي وأدقّه تحليلاً للمشاعر، وله في الحب معنى قال النقاد إنه لم يُسبق إليه: أن العناق نفسه لا يشفي الشوق، لأن المحب يريد قرباً أشد من القرب:
أُعانِقُها وَالنَفسُ بَعدُ مَشوقَةٌ – إِلَيها وَهَل بَعدَ العِناقِ تَداني
وهذا المعنى ــ أن الشوق يبقى حتى في حضرة الحبيب ــ من أعمق ما قيل في الحب قديماً وحديثاً.
أبو فراس الحمداني: مسك الختام
وفي أواخر هذا العصر يطل الأمير الشاعر أبو فراس الحمداني بقصيدته التي تعد من أشهر شعر الحب العربي كله:
أَراكَ عَصِيَّ الدَمعِ شيمَتُكَ الصَبرُ – أَما لِلهَوى نَهيٌ عَلَيكَ وَلا أَمرُ
وسنفرد لهذه القصيدة ولقصة صاحبها الأسير مقالاً كاملاً، فهي تستحق وقفة خاصة.
خاتمة
هكذا نقل العصر العباسي الغزل العربي من الصحراء إلى الحضارة دون أن يفقده صدقه، فأضاف إلى مكتبة الحب العربية معاني ما زلنا نردّدها. وللمقارنة مع غزل البادية الطاهر اقرأ مقالنا عن أجمل قصائد الغزل العذري، أو عد إلى الجذور في أجمل قصائد الحب في العصر الجاهلي.
اقرأ أيضاً
- أجمل قصائد الحب في العصر الجاهلي
- أجمل قصائد الغزل العذري في الشعر العربي
- أجمل أبيات الشوق والحنين إلى الحبيب
- أعظم قصائد الحب في تاريخ الأدب العربي
