أجمل قصائد أحمد شوقي في الحب والغزل تكشف وجهاً آخر لأمير الشعراء، فالذي نعرفه شاعر المناسبات الكبرى والمسرحيات الشعرية والحكمة، كان أيضاً واحداً من أرقّ من كتب الغزل في العربية الحديثة. وميزته أنه أعاد للغزل الفصيح مكانته في عصر كانت العامية تزاحمه، فكتب حباً بلغة المتنبي وروح القرن العشرين.
وقد أعانه على الخلود أن كبار مطربي عصره تسابقوا على غنائه: محمد عبد الوهاب غنّى قصائده، وأم كلثوم خلّدت رائعته «سلوا كؤوس الطلا»، فصارت أبيات شوقي تصدح في كل بيت عربي، وصار غزله جزءاً من الوجدان الموسيقي العربي لا من كتب الأدب وحدها.
وغزل شوقي غزل مهذّب أنيق كصاحبه: لا ابتذال فيه ولا صراخ، بل صور محكمة وعبارات مصقولة كأنها نُحتت نحتاً، وحكمة خفيفة تطل من بين الأبيات، فهو حتى في الحب أمير يزن كلامه.
في هذا المقال نقرأ أشهر ثلاث درر من غزل شوقي: خدعوها بقولهم حسناء، ومضناك جفاه مرقده، ويا جارة الوادي، مع وقفة عند سرّ جمال كل واحدة.
أجمل قصائد أحمد شوقي في الحب والغزل
خدعوها بقولهم حسناء
أشهر غزليات شوقي وأكثرها دوراناً على الألسنة، وفيها البيت الذي لخّص قصص الحب جميعاً في تسع كلمات:
خَدَعوها بِقَولِهِم حَسناءُ – وَالغَواني يَغُرُّهُنَّ الثَناءُ
نَظرَةٌ فَاِبتِسامَةٌ فَسَلامٌ – فَكَلامٌ فَمَوعِدٌ فَلِقاءُ
فبيت «نظرة فابتسامة» سلّم الحب الذي صعده كل العشاق منذ الأزل، رسمه شوقي بفاءات متتابعة كأنها درجات، وقلّ أن تجد بيتاً عربياً حديثاً أشهر منه.
مضناك جفاه مرقده
وفي هذه القصيدة يعارض شوقي أهل الموشحات والغناء القديم، فيصف العاشق المسهّد الذي هجره النوم:
مُضناكَ جَفاهُ مَرقَدُهُ – وَبَكاهُ وَرَحَّمَ عُوَّدُهُ
فالمريض بالحب بلغ به السقم أن عوّاده الذين جاؤوا يزورونه بكوا لحاله وترحّموا عليه، وهي مبالغة رقيقة على مذهب القدماء صاغها شوقي بموسيقى جعلتها من عيون ما غُنّي بالفصحى.
يا جارة الوادي
ومن أرقّ ما كتب شوقي في الحنين، قصيدته التي كتبها مستعيداً ذكرى حبيبة في وادٍ جميل، وفيها البيت الذي يحفظه كل محب:
يا جارَةَ الوادي طَرِبتُ وَعادَني – ما يُشبِهُ الأَحلامَ مِن ذِكراكِ
وَتَعَطَّلَت لُغَةُ الكَلامِ وَخاطَبَت – عَينَيَّ في لُغَةِ الهَوى عَيناكِ
فحين يعجز اللسان تتكلم العيون بلغة الهوى، وقد غنّى محمد عبد الوهاب هذه القصيدة فصارت من كلاسيكيات الغناء العربي التي لا تشيخ.
سلوا كؤوس الطلا
ومن غزله المغنّى قصيدته التي خلّدتها أم كلثوم:
سَلوا كُؤوسَ الطِلا هَل لامَسَت فاها – وَاِستَخبِروا الراحَ هَل مَسَّت ثَناياها
فالشاعر يسائل الكؤوس نفسها عن ثغر محبوبته، غيرةً منها وشوقاً إليه، وهو معنى قديم جدده شوقي بديباجته الفخمة.
مكانة شوقي في الغزل الحديث
يمثل شوقي الجسر الذهبي بين غزل القدماء وذائقة المحدثين: أخذ من التراث فخامته ومعانيه، ومن عصره خفته وأناقته، فجاء غزله مقبولاً عند الطرفين. وبعده انطلق الغزل الحديث في طرق جديدة مع شعراء مثل نزار قباني، لكن الطريق كله يمر من عند شوقي.
خاتمة
بهذا المقال نختم جولتنا في قصائد الحب العربية من الجاهلية إلى العصر الحديث. فإن أردت أن تبدأ الرحلة من أولها فاقرأ أجمل قصائد الحب في العصر الجاهلي، ثم تتبع القصة عصراً عصراً في مقالاتنا، لترى كيف ظل القلب العربي يكتب الحب أربعة عشر قرناً دون أن يتكرر مرة واحدة.
اقرأ أيضاً
- أجمل أبيات الشوق والحنين إلى الحبيب
- قصائد حب قصيرة: أجمل أبيات الغزل القصيرة
- شعر نزار قباني: بين الرومانسية والسياسة
- أعظم قصائد الحب في تاريخ الأدب العربي
